الأحد، 4 فبراير 2018

نص ساعة

نص ساعة

قالت قبل ان ترتشف القهوة من فنجانها المزخرف بألوان وردية

-وياترى بقى اللى انجرحوا دول يداوا جرحهم ازاى ؟

نظر إليها الكاتب وتسأل فى نفسه " كيف لتلك المرأة الجميلة، الرقيقة .. الأنيقة فى شرب قهوتها ان تتكلم وكأنها تفاصل فى سعر كيلو طماطم فى السوق .. بالتأكيد لم تتماشى الطريقة مع المظهر العام ! ولكنه تغاضى عن ذلك فكيف له ان يقوم بالحكم على شخص بمجرد طريقة كلامه ... لابد ان يقضى معه بعض الوقت .. على الأقل نصف ساعة .. فكانت هذه هى احدى قوانين الكاتب "نصف ساعة"  .. نظر الى ساعته وبدأ بحساب الوقت .. نظر الى المرأة الجميلة وقبل ان يرد فكر سريعاً فى كيف يكون الرد عليها .. هل يرد بطريقة الكاتب العاقل الرزين الذى يحسب عدد الحروف التى ينقطها ويقوم بإفحامها برد عميق على سؤالها الساذج .. ام يتلون بشخصية من الشخصيات التى قام بكتابتها من قبل .. فكان الكاتب يستطيع ان يتكلم مثل شخصياته .. ففى النهاية هم ناتج عنه ومنه .. ولكن بعد بضعه ثوانى خشى ان يكون قد تأخر بالإجابة وتظن المرأة انه عاجز عنها فقرر ان يترك الكلام يخرج بعشوائية .. فهو فى الاول وفى الاخر كاتب .. وكل ما يخرج من فمه سواء مكتوب او مسموع هو شئ مقدس جميل يجب على الأخريين احترامه وتقديره !

أعتدل الكاتب فى جلسته ووضع رجل على رجل ورد على المرأة "طبعاً يا فندم يدّاوى عادى .. مفيش جرح مابيدواش .. إلا الناس الكئيبة والى بيبصوا على الحياة بمنظار اسود .. دول حيفضلوا يشوفوا جرحهم بيوسع كل يوم عن اليوم اللى قبله .. بل وإن جرحهم ده حيفتح لهم جروح تانية فى المستقبل"

وضعت المرأة الفنجان وردى المزخرف على الطاولة امامها وتحفزت للحوار .. فكانت تعشق مثل هذه الأشتباكات الخفيفة وتبحث عنها .. فمنذ ان توفى زوجها بالسكتة القلبية منذ عامين وهى تشعر بالملل لإفتقار حياتها لمثل هذه المناقشات ولكن الوضع الأن مختلف فهذا الرجل ليس زوجها ولا يمت لها بصلة .. فهو لن يتحمل الحديث معاها إذا حمى وطيس الحوار مثل ما كان يتحملها زوجها –رحمه الله- فكانت تتخيل انه إذا لم يستطع احد فيهم اقناع الاخر بوجه نظره على اقل تقدير سوف يرميها الكاتب بطقطوقة السجائر .. فكرت بكل هذا واستجمعت شتات افكارها وردت علي الكاتب وهى تحاول تصنع أسلوب الهوانم "ايه ده .. شكل حضرتك من النوع المتفائل –تطلق ضحكة ساخرة ولكنها تفقد السيطرة عليها وتتحول إلى ضحكة مجلجلة- شكلنا مش حنتفق من أولها"

قهقة الكاتب رداً على ضحكة المرأة واخرج سيجارة من علبة سجائره فى جيبه الايسر وقام بإشعالها وأخذ نفس عميق منها ثم اخرجه ورد على عليها "اهى ضحكة حضرتك دى أكبر دليل اننا حنتفق .. الإنسان ربنا خلقه عشان يعانى –لقد خلقنا الإنسان فى كبد- ولكن هل ده معناه اننا المفروض نستسلم للمعاناة دى ؟ هل معناه اننا نفضل فى حزن على اللى فات وخايفين من اللى جاى ؟ الأستسلام هو أكبر عدو للبنى أدم .. لانه بيقتل !" .. ثم بدأ يشيح بنظره عن المرأة ويبحث عن طقطوقة السجائر حتى وجدها جانب الفوتية الذى تجلس عليه المرأة .. فقام من مكانه واعتذر منها واخدها ووضعها امامه.

بدأت المرأة تشعر بالخطر .. فما تخشاه قد يحدث بعد بضعه دقائق .. ها هو الكاتب وضع الطقطوقة امامه ويدخن سيجارته الاخيرة قبل الأعتداء .. بدأت تفكر اكثر واكثر .. هل تهاوده فى الرأى حتى تنجو بحياتها ؟ ام انها مجرد تخيلات فى عقلها المرهق من الوحدة ! .. سريعاً ما اخرجت تلك المخيلات من رأسها وقامت بالإعتدال فى جلستها وقالت "قتل .. قتل ايه بس كفالله الشر .. انت كبرت الموضوع حبيتين .. انا معاك اكيد الاستسلام ده شئ وحش ..وحش اوى، بس على رأى المثل اللى يطاطى للريح تفوت" وللحظة ادركت انها تتكلم مثل جدتها بالامثال ولا ينقصها سوى مصمصة شفايفها والنظر بعدم إكتراث فقررت ان تنهى جملتها المريبة بمثال شهير حتى لا يأخذ عنها الكاتب إنطباع سئ " وطبعاً زى ما حضرتك عارف السهم عشان يطلع قدام لازم يرجع لورا الاول". اعتدلت فى جلستها وشعرت بثقة فى نفسها وان هذا الحوار فى اصبح فى صفها.

"اللى يطاطى للريح تفوت ؟" أدرك الكاتب فى هذه الجملة ان الحوار أصبح اشبه بأحاديث النساء فى الحوارى الشعبية .. ومع ذلك لا يستطيع ان يخيل كيف لهذه المرأة الجميلة الأنيقة ان تتكلم بهذا الأسلوب السوقى ! جاء على بال الكاتب انه قد يكون تحول إلى إنسان عنصرى .. لا يستطيع تقبل الأخر ! لا يراهم كبشر مثله بل يراهم كمادة للكتابة عنهم حتى يلاقى نجاح فى السوق وفى المنتديات الثقافية .. ولكن كل هذا لا يهم الأن .. فهو من ينتصر فى هذا الحوار، هاهى بالرغم من طريقة كلامها والأمثلتها أصحبت توافقه الرأى .. لا يتبقى الأن سوى ان يختم الحوار بجملة قوية او حكاية مؤثرة حتى تخضع له تماماً .. فتخيل الكاتب انه يستجمع كل الحكمة التى فى العالم واخذ نفس عميق وقال "اهو حضرتك بدأتى توافقينى فى الرأى اهو .. السهم لازم يطلع قدام .. لو فضلت شاده لورا الخيط يتقطع ! الواحد أكيد حيمر بظروف تدفعه للإكتئاب والحزن .. ولازم احنا كمان نمر بالوقت ده وإلا مش حنكون بشر .. حنصبح مكن مش بيحس ولا بيشعر بأى شئ .. اهم شئ بقى فى كل ده ان الحزن مايخدش اكتر من وقته عشان مايتحكمش فينا ونصبح فى ايده زى الماريونت"

أستسلمت المرأة لكلام الكاتب للمرة الاولى .. ليس لخوفها من الطقطوقة فبالتأكيد لن يغامر كاتب كبير معروف بسمعته من أجل ان يتخلص من حوار مزعج .. ولكن لأنها ادركت انه على حق .. فهى تتذكر ان عندما توفى زوجها حزنت عليه كثيراً، فكان اخر من تبقى لها من عائلتها بالإضافة انها لم تحظى بأطفال فى حياتها، فكانت فترة صعبة فى حياتها ظنت انها لن تتعافى منها أبداً .. ولكن هاهى تجلس فى افخم الكافيهات مرتدية اكثر الملابس أناقة وتحظى بحياة هادئة ومريحة خالية من المتاعب .. فكان الكاتب على حق، لكل جرح قوته ولكن الجروح تلتأم مهما كانت قوتها .. وأثارها قد تذكرنا بالآلام التى مررنا بها .. ولكنها تذكرنا ايضاً اننا مررنا بها بالفعل وأن لا جرح كبير ولا آلم قوى يستطيع ان يحنى رؤسنا .. لأول مرة منذ فترة طويلة استطاع احد بإقناعها برأيه .. لابد ان تظهر له انها لم تستلم لتجنب الحوار بل لإحترامها لرأيه .. فردت عليه "همم .. أقنعتنى، بس بردو مش متفقة معاك"

تعجب الكاتب .. يالبجاحة هذه المرأة ؟! كيف لها بعد كل ما قاله وبعد إعلان استسلامها له أن تعلن انها غير متفقة معه! هل هى مجنونة ؟ ام هى خلقت لتعترض كما قال مكسيم جوركى ! تحفز الكاتب واطفأ السيجارة فى الطقطوقة امامه وغير وضع جسده على الفوتيه المريح ليصبح فى وضع الاستعداد ورد عليها "مش متفقة فى ايه مش واخد بالى ؟"

أطلقت المرأة ضحكة رقيقة وشاورت للنادل وهى تقول "روق بالك امال .. انا مش متفقة انك شربت السيجارة كده على الريق من غير ما تشرب او تاكل حاجة" توجه كلامها للنادل "شوف الاستاذ يشرب ايه"

أستراح الكاتب و أحس بالذنب فهى فى النهاية امرأة ذوق .. توافقه الرأى وطلبت له شئ ليشربه ! لعله أسرع بالحكم عليها حتى بعد قضاء نصف ساعة معاها، لابد أن يراجع الكاتب اولوياته .. وأن يتخلص من تلك العادة الجديدة، فيجب عليه ان يحترم كل من يتحدث معه بإحترام وإن إختلفت طريقه التفكير او الحديث .. أدرك الكاتب الأن أن الشهرة بإمكانها أن تغير شخصيته .. فإن كان جميع من بالمدينة يقرأ مقلاته كل يوم ليس معناه ان رأيه أصبح مُسلم به لا يعارضه احد فيه .. بالتأكيد هو مدين لها بالأعتذار ولكن لن يجهر به فهو أمامها لم يخطئ حتى الأن .. ولكن لابد أن يبادر بحركة شيك حتى يقدم لها مضمون الأعتذار "انا حشرب قهوة .. فى نفس الفنجان اللى الهانم شربت فيه قهوتها" توجه بالكلام للمرأة "واسمحيلى يا هانم الحساب كله عندى انا"

تبتسم المرأة وتشر برأسها بالموافقة ويسود الصمت للحظات وتبدأ المرأة حوار جديد لا نسمع منه شئ بسبب علو صوت الموسيقى فى الكافيه.



مصطفى الشابى

الخميس، 15 يونيو 2017

تلغراف مسوجر

تلغراف مسوجر

عزيزى .. تحية طيبة وبعد،

أكتب إليك هذا التلغراف وقد لا يصلك .. بل أنى على يقين انه لن يصل، ولكنى قررت كتابته على أى حال.

"اليوم قد مات أقدم من عاش بهذا الحى" .. هكذا قالوا اليوم يا عزيزى، وجلست انا بين ذكرياتى وبين الباكيون..أخفف انا عنهم وتخفف الذكريات عنى، فلم أتذكر من الفترة الاخيرة سوى كل ما هو جيد وسعيد .. وتلاشت من ذاكرتى اللحظات الحزينة .. فوجدتنى أجلس بإبتسامة حزينة وسط الجموع، لم اذرف دمعة –حتى الأن- لأنى على يقين انك بمكان أفضل .. لكننا نحزن على الفُراق .. نحزن على تلك الأيام الطيبة الجميلة البريئة التى لا تعوض .. نحزن على فقداننا شخص نعلم انه يحبنا ويتمنى لنا الخير .. نحزن على انفسنا اننا نعيش الأيام القادمة بدونك .. فلم يعد هناك اى شئ يخفف عنا هذا الرحيل سوى الذكريات !

سأحتفظ بكل شئ .. بأحديثنا الشيقة والنصائح التى كنت تقولها إلى وبالصور والقصص التى كنت تقصها لى .. وكم أخشى الأن ان تخوننى ذاكرتى فى المستقبل وتصبح كل تلك الذكريات مشوشة غير مستقرة .. مستعدة لما قد تفعله فيها ألاعيب الزمان .. ولكنى سأذكر نفسى بهذه الأشياء كل يوم .. ولن أنساك، ولن تنسانى الذكريات .. فلم يتبقى لى غيرها !

أخشى ان أطيل عليك .. فأعلم انك منشغل الان بإستكشاف منزلك الجديد وأتمنى ان يكون كما أردت وكما وُعدت به.

كما قلت يا عزيزى .. أعلم ان هذا التلغراف لن يصلك .. لذلك سأحتفظ به عندى حتى موعد لقائنا لأعطيه لك يداً بيد..أستمتع بالجنة وحتى نلتقى مجدداً .. إلى اللقاء.

  
                                                             مصطفى الشابى

الجمعة، 5 مايو 2017

البرنامج الإذاعى

البرنامج الإذاعى

"ادلع يا جميل على وش الماية"

عندما يتسم العالم بالظلام وتظن انك أصبحت وحيداً مُحاط وسط مخاوفك .. تذكر  القول المأثور "بص لنص الكوباية المليان" ، وإن كنت سعيد الحظ من المتفائلين سوف تكون هذه الجملة كمفعول السحر لتتحول حياتك المظلمة الى أخرى سعيدة .. ولكن إن كنت من اصحابنا المتشائمين لا قدر الله فلن ترى نصف الكوب الممتلئ ولكنك سترى كوب كبير من الماء المثلج أمامك ممتلئ عن أخره ..وانت تجلس فى الكوب الفارغ  تنظر اليه بكل تمنى وكلك أمل فى ان تكون فى يوم من الايام من السابحين، المستمتعين، المتنعمين فى الكوب المثلج .. فالمتفائل يرى ويعلم انه لا يوجد سوي كوب واحد نصف ممتلئ ونصف فارغ .. اما المتشائم يرى كوبان .. الفارغ الذى يجلس فيه ويشكوه حياته ومئاسيه بينما ينظر الى الكوب الممتلئ والى الجالسون، المتنعمون، الهائمون، "المتدلعين على وش الماية"  ويتمنى ان يكون فى يوم من المتدلعين على وش الماية مثلهم .. لكن للاسف .. "الكوباية مفيهاش ماية" !

"وعد ومكتوب ويعين الله وعد ومكتوب"

حدثنا التاريخ والأجداد ومن ثم الأباء عن حقيقة علمية مؤكدة وهى ان الرضيع يصبح طفل ومن هناك يصبح شاب ثم رجل يعتمد عليه .. ومرحلة "الرجولة" عُرفت من قِبل المذكورين من قبل انك تصبح مجرد "طور فى ساقية" لعل هذه هى الأحوال المحيطة بنا والذى آل اليه المصير لكل من رغب فى الزواج والأستقرار والأطفال والبامبرز والعيش الهنيء وهو وعد مكتوب على الجبين .. حتى أصبحت أشعر ان البشر الذين يظهرون بالأفلام الأجنبى ليسوا ببشر مثلنا .. بل انها صورة تخيليه عن ما سوف تكون الجنة عليه عندنا نموت ونبعث .. تلك النظرية تطبق بكفاءة فى كل نواحيها .. الطبيعة الخلابة الخضراء، الطعام والشراب الفاخر، راحة البال، الوجة الحسن .. ختى الرجال يصبحوا أوسم .. بالتأكيد هى الجنة ! كل ما أتمناه من الله ان يرزقنا بجنة أفضل من تلك التى نراها .. او حتى مثلها .. احنا طايليين ؟!

"إزاى تكون انت وتكون عيون غيرك"

الإنسان العادى هو من يرى نفسه فى المرآة فلا يرى سوى إنكعاس لصورته امام نفسه كما يراها  .. الإنسان المتميز هو من يرى نفسه فى عيون الناس فيرى نفسه كما يراه الاخرون، على ما أظن اننا أصبحنا ننجرف –بمعنى اصح نجبر- على ان نستمع إلى ما يطلقه الناس من أراء على مواقع التواصل الاجتماعى بدون ان نُفكر فى ما هو مكتوب .. لمجرد إجتناب نقاش ممل قد يتسبب فى ان تخسر صديقك الإفتراضى او ان يُنسب إليك انك "دقة قديمة" .. ومن بعض تلك الأراء انك "أعمل اللى انت عايزة وملكش دعوى بالناس" .. تلك المقولة قد تكون صحيحة .. وقد تكون خاطئة ! الطريق الوحيد فى تقويم نفسك هى من خلال الناس .. وإذا قررت تجنبهم والإستماع لنفسك فقط بحجة "ان الناس ملهاش دعوة" إذاً إنك لا تتيح فرصة لنفسك لكى تكون على صورة افضل مما انت عليه .. أظن ان الحياة بدأت فى الإنحدار فى مستواها الاخلاقى والإنسانى عندما سمحنا للتكنولوجيا بأن تأخذ ذلك الحيز الكبير فى حياتنا .. أظن لكى تبدأ فى ان تصبح الشخصية التى تريدها يجب ان ترى الحياة بعيون كل الناس .. حتى تستطيع ان تراها بعيونك انت !

"أغداً القاك ؟ يا خوف فؤادى من غدٍ"

أم كلثوم كانت خايفه من بكرة .. كلنا بنخاف من بكرة .. السبب ؟ لانه مش معروف .. الإنسان ببساطة بيألف للشئ اللى بيعرفه لذلك دائماً بيُهيئله ان الماضى افضل من الأيام اللى هو عايشها، ده غير صحيح طبعاً لأن الماضى ممكن يكون أبشع بكتير من حياته الحالية بس لأنك مريت بيه وعارف النتيجة اللى حتوصلها فخلاص .. معدتش خايف وشايف ان الحياة اجمل زمان ومشاكلها أبسط لانك عارف حلها دلوقتى .. بس الحاضر والمستقبل حتى لو كانوا تافهيين جداً بس غير معلوم لهم نتيجة نهائية .. فدائماً فى تخوف من المستقبل..  خوف بيغلب اى شئ تانى ! بس ام كلثوم بعديها قالت "أرجوه أقترابا"، افضل طريقة تحارب بيها الخوف مش انك تخاف، هى انك تواجه خوفك .. وبكرة تقول "ولا يوم من أيام زمان".

"وهل الفجر بعد الهجر بلونه الوردى بيصبح"

أفضل وقت افضله شخصياً هو وقت الفجر لعل ذلك التفضيل هو لأنى ولدت وقت الفجر، ولكن يوجد اسباب اكثر من هذا السبب لحبى لوقت الفجر .. أظن ان هو الوقت الوحيد فى اليوم الذى تستطيع ان تشعر بهدوء وراحة نفسية وان تشاهد النجوم المتلألأة فى السماء وانت تستنشق ذلك النسيم البارد الهادئ .. لا احد يمشى فى الشوارع سوى من يريدون التقرب من الله .. ولا أحد يستيقظ فى ذلك الوقت إلا من زهد النوم  وأراد ان يستمتع بجمال الجو العام .. ومشاهدة السماء وهى تغير لونها بالتدريج وانت جالس فى البلكونة فى صمت لتسترجع كوبلية ام كلثوم .. وتتيقن ان الحياة التى تجدها صعبة ومتعبة .. يوجد بها الكثير من الأشياء الجميلة التى تعطيك أمل فى الغد  ولكننا للأسف لا نلاحظ وجودها عشان بنبقى "نايميين"

مصطفى الشابى

الخميس، 16 فبراير 2017

خلى بالك من التورماى

خلى بالك من التورماى

لا أجد شئ غريب فى تذكر الماضى سوى انه مضى !

اكاد أجزم انى كنت بالخامسة من عمرى ولم يمُر يوماً واحد حتى وجدت نفسى بالثانية والعشرون ..ومع مرور كل تلك الاعوام تكونت بالطبع الكثير من الذكريات منها السئ ومنها الجميل ولكن يوجد ذاكرة واحدة تحولت تماماً من "أكثر ذكرى مبهجة" إلى "أكثر واقع مرعب" .. قبل ان ابدأ بسرد قصتى .. يوجد فقط القليل من الدردشة.

 كانت دائماً –ولاتزال- ترتبط معى الذكريات بروائح .. رائحة عطر، كتاب قديم، برفان معتق حريمى، دخان سجائر خاص، ملوخية بالفراخ .. استطيع تميز كل رائحة وإستدعاء الذكرى الخاصة بها .. أجد ذلك رائع لانه يجعلنى اتذكر ما نسيته – او ظننت انى نسيته- .. وفى بعض الاوقات اتذكر اشخاص قد فاتوا فأشعر بوجودهم معى للمساندة فى بعض الاوقات او لمجرد سماع النكات والإستمتاع برفقة بعضنا البعض .. لدى ايضاً عادة غريبة .. وهى أنى لا أقوم بشئ فعلته وانا صغير بمعنى انى لا احاول استدعاء بعض الذكريات مرة اخرى .. ليس لسوءٍ بها ولكن خوفاً منى ان تتغير تلك الصورة الجميلة التى فى خيالى .. ففى لحظة اتمنى شرب الشاى بلبن وفى لحظة اخرى اخشى ان اشربه فلا يكون بنفس الروعة عندما كنت صغير .. انها الذكريات التى وضعت بمتحف وكُتب عليها "ممنوع الاقتراب او التصوير او اللعب فيها بأى شكل من الاشكال" .. ولكن عودة لأصل الموضوع .. الذكرى التى تغيرت وتحاول تغيرى ..الذكرى التى هربت من المتحف وقامت بأقتحام حياتى بشكل حديث .. الذكرى التى قد تبدو تافهة لبعض الناس ولكنها تحمل الكثير من المعانى والمخاوف .. على الاقل لى .. انها يا حضرات .. ترام الاسكندرية.

كانت الترام بالنسبة لى وانا طفل "ملاهى" كنت أسعد باليوم الذى تصحبنى فيه أمى فى الصباح للذهاب فى مشوار سريع وأخذ الترام ..كنت احاول ملاحقة السيارات التى نمر بجانبها بعينى ومشاهدة المارة وانا أشعر انى فى آله عجيبة مستمتع بحركتها المتمايلة حتى الوصول لوجهتنا .. كانت تلك هى الذكرى .. بهجة ممزوجة برائحة الصباح الجميلة .. حتى تقدمت بالعمر .. وأصبحت على ما انا عليه الان .. لا انكر انى أصبحت ارى بعض الاشياء اكثر وضوحاً وادقق فى بعض التفاصيل .. حتى أصبحت تلك التفاصيل ما أخشى الوصول عليه فى يوماً ما ! أصبحت أكره اللحظة التى اضطر فيها لركوب الترام فتثير كل مخاوفى من جديد ..

المثير فى الترام ان كراسيها مواجهة لبعضها البعض .. فتستطيع رؤية الوجوة .. وما وجدته اثناء جلوسى هو ان لا يوجد أحد سعيد .. كل شخص جالس يحمل هم، الحزن يخيم على الرُكاب .. لا أعلم لماذا ؟! قد تكون بسبب سرعة الترام المتباطئة او بسبب مستوى النظافة المنحدر .. او ربما بسبب الأطفال "المتشعلقة" .. او قد تكون حياتهم حزينه وبطيئة ومملة .. تماماً مثل الترام .. المرة الوحيدة التى وجدت بها شخص يبتسم كان شخص يحدث نفسه فظننت انه مجنون ! .. ومرة بعد مرة بدأت اخاف ركوب الترام .. لأنى اصبحت اشعر انى سأصبح مثل الجالسين .. ممل وحزين وحامل الهموم .. فقد قررت عدم ركوب مواصله عادية خوفاً من عدم وجودها او لزحام الطريق وركبت واحدة اكثر اماناً وستوصلنى إلى وجهتى النهائية ولكنها تسحب منى فى كل مرة جزء من حياتى السعيدة لتجعلنى شخصاً اخر مثل الجالسين ..

أقدم انواع المشاعر هو الشعور بالخوف، وأقدم انواع الخوف هو الخوف من المجهول .. لذلك يوجد حكمة فى التمسك بالماضى وذكرياته .. لاننا نعرف ما حدث به بالفعل ولكن المستقبل غيرى مرئى –إلا لو مكشوف عنك الحجاب- ، تمسكوا بتلك الذكريات الجميلة وشعورها الدافئ فقد تكون الطريق الوحيد لمحاربة ذلك الخوف بشعوره المُظلم .. لا أعلم مصير ذلك الهاجس المسيطر على فى هذه الفترة ولكنه مسيره ان ينتهى .. إما بالتحقُق او بالتحول إلى مجرد ذكرى اخرى أنظر إليها بإبتسامه وانا أقول "انا كنت اهبل اوى" .. وفى النهاية لن أقول حكمة .. ولكنى سأقول "خلى بالك من التورماى" !
   

  مصطفى الشابى



الجمعة، 9 ديسمبر 2016

شنب العمر

شنب العمر
"ايه عنوان الراجل ؟" سألوا مجموعة من الناس
فشعره ؟ ولا فكرشه ؟ ولا فجزمته الأكبر مقاس
وقفِت هى وسط الجميع وقالت "شنبه اكيد
ده بيخلى الراجل جميل ومن نوعه .. فريد"
من اول نظرة دخلت البنت فؤادى
واتمنيت يبقالى شنب زى بتاع الولا فادى
وفى لحظة قررت .. شنب ؟ ده لازم أربيه
عشان تحبنى وقلبى .. تتعلق بيه
وبعد محاولات وايام من التشويك والعذاب
ربيت شنبى زى ما قال الكتاب
روحت قلتها شنبى اهو واهو انا
عشانك قعدت اربى فيه سنة
سبتنى ومشيت من غير اسباب
وجريت لصاحبها اللى عند الباب
زعلت شوية والحب الفاشل ده نسيته
وحبيت شنبى اللى تعبت فى تربيته
ده شنبى جميل يأسر الف قلب وقلب
ويوقع تحت منه ميت شابة .. وشاب! ;)
الناس تشوفه تقول "اووه انكوايبل..
ده رهيب وفظيع ومشفنهوش من قبل"
ياسلام على جمااله ورقته
ولونه وشكله وقصته
لو صبرت عليه شوية كان يتبرم
وكان وقف عليه نسر الحرية المحترم
بس عملوها الاشرار فى نص ليلة صيف
وقضوا عليه بموس حلاقة وكريم وافترشيف
وراح الشنب وراحت الوجاهة
ورجعت تانى لوش التفاهة
                                                                               لـ مصطفى الشابى  
         

*بعتذر على الصورة

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2016

صدق او لا تصدق

صدق او لا تصدق


عزيزى القارئ .. أشهر الجُمل المسرحية التى نالت إعجاب النقاد والقراء فى جميع انحاء العالم كانت لشكسبير فى مسرحية هاملت وهى "أكون أو لا أكون" .. وذلك لإنها تطرح الكثير من الأسئلة .. وأهمها : هل عندما تزداد المشاكل والكُرب وتصبح الحياة جحيم ..هل تستحق ان نتحمل ونواجه ونعيش تلك الحياة ؟ ام ان حينها يصبح الموت هو المُخلص والمُنقذ الوحيد ؟ .. وعندما جلست لأفكر اكثر فى "أكون" او "لا اكون" وجدت ان الجميع اختار ان "يكونوا" والقليل اختار "الا يكونوا" مما جعلنى اتسأل اكثر .. من اكثر شجاعة .. من قرر مواجهة مشاكله وعواقب قرارته وغباء من حوله .. او من قرر مواجهة اكثر ما يخيف الإنسان فى حياته .. وهو الموت، ولكنى لست هنا اليوم لأتحدث عن رائعة شكسبير وجملته المسرحية الشهيرة .. انا هنا اليوم لأتحدث عن رائعة الجرائد المصرية وهى "صدق أو لاتصدق" !

حياتك اليومية ملئية بصدق او لا تصدق سواء بحكايات تسمعها وانت تمارس عملك او حكايات تشاهدها فى مسلسل او فيلم او حتى اشياء تراها بعينك .. عن نفسى .. تستوقفنى الكثير من المواقف تجعلنى اتسائل هل ما رأيت\سمعت حقيقى ؟ هل اصدقه ام لا ؟ حتى وصلت بعد فترة الى تحليل عميق عن ما أرى وهو ان كل ما تراه ويظهر امامك حقيقى هو عكس ما تراه لأن طبعاً "العين خداعة" فالواحة الجميلة فى الصحراء التى بها نخلة تظلل على الماء حتى لا تزيد حرارته ما هى إلا مجرد رمال .. العين عضوة فاشلة .. فهى خداعة تظهر القرد فى عين امه غزال .. وعمياء فى اكثر اللحظات التى نحتاج اليها فيها وهى عند اختيار الحبيب لتستيقظ بعد أول يوم زواج تتسأل "هى مش كانت حلوة قبل الجواز ؟" .. العين يا أعزائى هى مصدر كل المشاكل لذلك لا تصدق كل ما تراه .. وصدق كل ما لا تراه.

إن أصدق الاشياء هى التى لا يراها احد ..واكثر الأناس كذباً هم من يريدون ان يراهم العالم، لذلك قررت ان أقوم بكتابة فقرة صدق او لا تصدق لححياتك اليومية .. صدق او لا تصدق : إن من يوجه لك كلاماً دائماً عن الدين والصلاة والعبادة ليس اكثر ايماناً منك فما هو إلا متفاخر فى اغلب الاوقات، صدق او لا تصدق : ليس كل من يبتسم فى وجهك صديق، صدق او لا تصدق : العائلة ليست كل من مرتبط معك برابطة دم .. العائلة هى من تُحبك وتحترمك وتعطيك الاحساس بالامان، صدق او لا تصدق : لم يكونوا اجدادنا خيراً منا .. فلا يساهم اختلاف الازمان فى أختلاف القيم، صدق او لا تصدق : الحياة أسهل من ما نتصور ولكن دائماً اسهل الأفعال نخطئ بالقيام بها.

عزيزى القارئ .. صدق او لا تُصدق .. لم أكن ابداً جيد فى إنهاء المقال، ولكنى سأحاول إنهاءه هذه المرة بطريقة لائقة، إننا جميعاً نصنع اختيارتنا.. ولكن فى النهاية جميع اختيارتنا تصنعنا وتصنع ما ننتهى عليه .. لذلك حاول أن تختار وتفعل ما تصدقه حتى يستطيع من أمامك ان يصدقك .. ونأخذ نحن اجازة من فقرة "صدق او لاتصدق اليومية".

                      
                                                           مصطفى الشابى                    

الثلاثاء، 14 يونيو 2016

يا روايح الزمن الجميل

يا روايح الزمن الجميل

"وانا وحبايبى والأفراح ناخد من الدنيا أجازة"

لا شئ يفوق شعور الأجازة .. الراحة والأستجمام وعدم الأكتراث لأى شئ فى الدنيا سوى كيفية إسعاد نفسك فى هذا اليوم لتستطع إستكمال الرحلة .. تصورى للأجازة هو مكان هادئ، يلتحم لون أزرق السماء مع لون البحر المريح وأشهر أغانى التسعينات الاجنبية تلعب فى الخلفية مع أنواع مختلفة من العصائر بجانبى وشقراء تجلس بجوارى تتكلم بلغة لا أعلم مصدرها ولكنها خفيفة على الأذن، ولكن المثل الشهير يقول "الجنة من غير ناس متنداس" فيأتى عبد الحليم ليغنى ويقول"وانا وحبايبى والافراح ناخد من الدنيا أجازة" .. هذا ما يجب أن يحدث، ف"لو سمحت ممكن تحجزلى انا وحبايبى والافراح أوضة تريبل على البحر ؟"

"راح فين زمن الشقاوة"

الشقاوة بالنسبة لى تتدرجت بمراحل.. الأولى كانت وانا عمرى خمس سنوات وهى كانت تتلخص فى المسدس الخرز المحشور فى الملابس الداخلية وأخراجه مرة واحدة وأطلاق خرزة من شباك الغرفة على شخص ما عشوائى فى الشارع، ثم بعد سنين نضجت الحمدلله وأصبحت أشعر بمشاعر مختلطة .. فلم أكن أستطيع التفرقة بين الحب والجوع .. ثم بعد بضعه اعوام أنشئت قانون للتفرقة وكان "إذا تشعر ان هناك شخص مميز وبوادر مشاعر الحب تنتشر بجسدك .. أذهب وأطلب واحد شاورما فراخ .. بعد الأكل أنظر للشخص مرة أخرى أذا أستمرت الأعراض السابق ذكرها فأنت تُحب .. إذا تشعر بشئ أخر برجاء أستشارة طبيب وعمل غسيل معدة" .. فترة طويلة من حياتى قضيتها أحاول التفرقة بين مشاعر الحب والإعجاب والجوع والزهق .. ولكنى الأظن انى نضجت مرة اخرى .. فأصحبت افرق جيداً بين تلك المشاعر، وبعد النظر الى شقاوة شباب اليومين دول فنحن كنا ابرياء لدرجة ساذجة، فإذا كنت تتسائل "راح فين زمن الشقاوة ؟" حتلاقيه مع أخوك الصغير .. أحنا عمرنا ما كنا أشقياء !

"أمانة عليك يا ليل طول"

السهرة الجميلة تتمنى لو أستمرت إلى الأبد .. تُوقف عقارب الساعة عن التحرك لتستمتع بتلك اللحظات النادر وجودها وسط روتين يومنا الممل عادة ... فيبدأ راديو عقلك بالدندنة التلقائية بتلك الأغنية، فتزيد من إستمتاعك باللحظة والطعام والشراب .. وتضحك ويعلو صوت راديو عقلك بالدندنة لتصل لكوبلية "وقول للفجر مايبنشى" .. وأثناء ليلة السمر السعيدة تلك يأذن الفجر فتدرك ان الليلة أنتهت والكل ذاهب إلى منزله .. ولكن عندما تفكر فى الأمر .. قد تكون أنتهت الليلة ولكن العمر مليئ بالليالى التى سنغنى فيها وندندن على العود ونقول "هاتلنا العمر من الاول"

"قلبى بيقولى كلام"

كان عبد الوهاب يشكو من كثرة الكلام والاقاويل فى تلك الأغنية .. فـ"قلبه بيقوله كلام وانت بتقوله كلام وعينه شايفه كلام والناس بيقولوا كلام" فأصبح الفنان في حيرة من امره لا يعلم ماذا يفعل .. وهنا تأتى فقرة النصائح من كاتب يظن انه محرر بريد الجمعة .. فردى لك يا عزيزى عبد الوهاب هو انك لا تهتم بكلام الناس بالطبع فالناس لا يريدون الخير إلا لأنفسهم .. والعين خداعة .. فلا تصدق كل ما تراه عينك "الفوتوشوب خرب البلد" .. وبالنسبة للشخص اللى بيقولك كلام .. أكيد يرغب بإقناعك .. لا تصدقه هو الاخر، اما بالنسبة لقلبك .. فالقلب لا يأخذ فى الاعتبار كلام العقل .. فلا تسمع له ايضاً .. حلك يا عزيزى سهل للغاية .. صلِ استخارة وأدعِ الله ان يلهمك الصواب وان يرشدك للكلام الصحيح .. تحياتى.

"يا روايح الزمن الجميل .. هفهفى"

  الجميع يمر بتلك اللحظات البسيطة التى يتنفس فيها هواء يشعر فيه بالألفة والحنين الى الماضى، فكل إنسان منا لديه ما يسمى بالمخ العاطفى والذى يقوم بربط الروائح التى تتنفسها لأول مرة مع الشخص او الحدث الموافق لها، فلا أتمالك نفسى عندما أشم رائحة ثمرة الجوافة وربطها بإقتراب المدارس أو رائحة اليوستفندى وصوت مدحت صالح او رائحة نسيم الفجر وليالى رمضان، فيستمر فهرس الروائح الى ما لا نهاية .. هناك روائح تجلب لنا السعادة والفرحة والإبتسامة .. واخرى تجعلنا ننظر الى الأفق الواسع لنطلق فى النهاية تنهيدة مليئة بالحزن والأشتياق .. فلا يسعنى فى النهاية سوى التمنى ان يكثر الله الذكريات السعيدة .. فهل تهفهفى يا روائح الزمن الجميل ؟ لو سمحتى ؟!
                                                   
                                                                          مصطفى الشابى