الأحد، 28 سبتمبر 2014

مرارة البداية وألم النهاية

مرارة البداية وألم النهاية

صباح الخير ..

فى الواقع  عنوان سخيف جداً يقفل اى حد من انه يعمل اى حاجة فى حياته بس حقيقى انا مش عارف انا حكتب ايه .. انا حالياً قاعد منتظر سيل الكلمات اللى حتتجمع بطريقة غامضة ورا بعضها عشان يعملوا جملة مفيدة ، من واقع خبرتى المتواضعة فى الكتابة أجد ان أصعب شئ فى المقال او القصة او المسرحية هى البداية ! ولو اخدنا الموضوع ده على نطاق اكبر واوسع حنكتشف ان ده مش فى الكتابة بس .. بل فى كل شئ ! .. فى المزيكا ، فى الافلام ، فى الدراسة ، فى المذاكرة ، فى النوم .. حتى فى الحُمى .. –بالذات لو فى الشتاء- .. المشكلة دائماً فى البداية .. ابدأ ازاى ؟ .. حتى تلاقى ده دائماً مع الاصدقاء والقرايب وهم بيعملوا حاجة .. دائماً نسمع "ما تبدأ انت الاول" ، احنا كائن بنخاف من البداية !

مين فينا ماحبش حاجة ومعملهاش عشان خايف ؟ كلنا تقريباً وانا اولكم .. مع اننا لو اترمينا فى الموقف او الحاجة دى مرة واحدة كأنك بتاخد على قفاك بسرعة وانت مش حاسس .. مش حتشعر بنفس الخوف والرهبة اللى كانت عندك وانت بتبص على الموضوع وكأنه بعبع مخيف مش حتقدر تتخطه عتبة بابه .. ياترى ايه السبب ؟ هل ده جُبن ، فوبيا ؟ ولا خوف من شبح الفشل ؟

وهنا انتقل لموضوع اخر .. هل فشلك او خوفك من فعل شئ معين بيخليك تطلع الشئ ده فى حاجة تانية ؟ *طلاسم غير مفهومة* ، للتوضيح انا كان نفسى يكون عندى كاريزمه الشخص اللى اول ما ينطق كل الناس تسكت عشان تسمعه .. للاسف عمرى ما حسيت بكده وعشان كده بدأت اكلمكم بالكتابة –مع انى اشك ان فى حد بيقرا بردو بس ما علينا- .. احّب المقالات او القصص الى قلبى هى اللى بتكلم فيها من قلبى .. كأنى قاعد على القهوة معاكم .. بحاول ببساطة اعوض النقص اللى انا شايفه عندى .. أرضى نفسى ببساطة ؟!

مشكلتنا الكبرى تكمن فى اننا مش عارفين نقدر نفسنا صح .. الناس متقسمة جزئين .. جزء واثق من نفسه لدرجة الغرور وجزء معدوم الثقة فى النفس ، انا واحد من الناس اللى احلامه بتتحطم على صخرة الخوف لمجرد شعورى انى عمرى ما حبقى زى الناس اللى شفتهم واللى بشوفهم كل يوم .. واما احب ادى نفسى ثقة اقول "ربنا قادر على كل شئ" بنكهة فيها سخرية وحسرة ! بس هنا الفكرة .. لا انا اعرج ولا اعور ولا نازل من السماء بمخ سمكة ، انا زى زيهم .. مفيش فرق عنهم وعنى غير حاجة واحدة .. الفرصة اللى خليتهم يوصلوا للى عايزنه .. الشجاعة اللى خليتهم يبتدوا اللى حَبينه .. حقيقى مفيش فرق عظيم .. خليك بس واثق من نفسك

حقيقى وبكل صدق .. انا مش بنصح حد بالكلام ده على قد ما بنصح نفسى .. كتباتى كلها متوجها ليا فى الاساس .. ببقى سعيد بالطبع اما حد يجي ويقولى انت عندك حق ، بس ببقى سعيد اكتر لو انا فعلاً ارتجعت وبدأت اسمع النصيحة !

اخيراً لو فعلاً قدرنا نتغلب على بعبع البداية المرعب وندخل فى صُلب الامر اللى احنا عايزينه يبقى حققنا انتصار كبير جداً .. بس حينتظرنا شئ اصعب كتير وهو النهاية .. الفينالة ! .. هل حتقدر تتحمل حُزن وصولك للنهاية ؟

عشان كده احب اضيف تعديل بسيط على بداية المقال ده .. اصعب حاجتين فى اى شئ .. هم البداية والنهاية !


مصطفى الشابي


الأحد، 21 سبتمبر 2014

تعويذة الساحر

تعويذة الساحر

مساء الخير ..

كل شخص فى الحياة لديه أمنية أو رغبة يود وأن تُحقق ، مَن يرغب فى الأموال ومن يرغب فى السُلطة ومن يرغب فى الشُهرة ومن يرغب فى أن يكون لديه القُدرة على فعل المستحيل .. أما انا فلا ارغب فى السُلطة ولا المستحيل ، كل ما أرغب به هو قليل من السحر !

أمضيت وقت هائل وانا طفل فى النظر الى يدى وهى تتشنج منتظر ان يخرج منها شرارة او ألوان او حتى ذلك الدخان الخفيف الذى يخرج من يد السحرة ولكن بدون فائدة .. لقد اهدرت وقت ليس بقليل من طفولتى منتظر السحر .. منتظر الموسيقى وهى تلعب فى الخلف عندما اقوم بشئ خطير ومثير ، حاولت حتى الطيران وفى كل قفزة اشعر بأنى حققت مرادى ولكن اصتدم بأرض الغرفة الخشب وأصاب بجرح فى قدمى ، إلى ان تقدمت بالعمر وأكتشفت شئ فى غاية الأهمية .. السحر هنا .. امامنا طوال الوقت ولكن يحتاج الى قليلاً من التركيز لتشعر به .. ولكنه يحتاج لكثير من التعلم لممارسته !

أكتشفت فى نهاية الأمر ان الساحر ليس من يخرج من قبعته ارنب او يحول الحمام الى يمام او حتى يختفى من مكان ليظهر فى اخر .. الساحر هو من يستطيع ان يحول الخيال الى حقيقة محسوسة وملموسة .. الساحر هو الذى يختار لغة واحدة ليعبر بها عن نفسه ومشاعره فيفهمه كل الناس ، الساحر هو يجعل غيره يحلق ويطير فيداعب الهواء خصلات شعره كل هذا وهو جالس فى مكانه ، الساحر هو فنان فى الاساس .. يجيد اللعب بالكلمات والحروف ، هو من يرى أدق التفاصيل فيريك اياها بطريقة قد تبدو سحرية –وهى كذلك- !

الساحر هو الفنان .. الموسيقى .. ذلك الساحر الذى يفهم لغة جميع آلات العالم .. لطالما تسائلت عن شعور الموسيقى وهو يألف مقطوعة جديدة .. كيف يفكر .. او لأعيد ضياغة السؤال .. ما هى اللغة التى تتكلم بجانب اذنيه  .. بالطبع يفكر بلغة اخرى غير تلك التى نعرفها نحن وهذا ما يجعله ساحر !

الساحر هو الكاتب الذى يؤلف قصة رائعة الحبكة .. معتمد فقط على خياله وحصيلة كلمات اختزنها عبر الزمن ، فيبكينا ويضحكنا ويسافر بنا لاخر بلاد العالم ومنها بلاد ليست على الخريطة ، هو من يجعلنا نرتبط عاطفياً بأشخاص تشبهنا قبل ان نقابلهم فى الحقيقة ، هو من يستعرض المشكلة قبل حدوثها ، هو من يري الشريط السينمائى قبل ان يُصَور وهذا ما يجعله ساحر !

الساحر هو انا وانت .. الساحر هو كل من يقوم بشئ لا يستطيع احد غيره ان يقوم به ... الساحر هو من يرهف الحس ويجعل نفوسنا تمتلأ شجن وعذوبة.. لذلك شكراً لكل تعويذة جعلتنا نهرب من واقعنا لواقع اجمل .. شكراً للساحر الذى فَتح عيون الكثير على التفاصيل الخفية .. شكراً لكل ساحر يعيش وعاش وسيعيش على تلك الأرض.

"كلام مكتوب على ورق بيحولوه لنبض قلب .. إحساس .. هى دى المعجزة .. هو ده السحر"


مصطفى الشابي

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

النور مكانه فى القلوب

النور مكانه فى القلوب

فى يوم من الايام وانا جالس مع زوجتى العزيزة ام دنانيرى امام التليفزيون نشاهد نشرة السابعة والنصف ونحن نتسلى بأكل الفشار المملح ونشرب الكازوزة المشبرة .. غير ناعيين اى هم فى نفوسنا .. فلدينا الماء والهواء والطعام والنور والوجه الحسن –المذيعة بالطبع- فإذا رأيتم ام دنانيرى تصبح نعمة البصر نقمة ! ولكن *تنهيدة* .. الحب له احكام !

-انت بتاخدى بالكوبشة ليه يا ولية .. ما الفشار كتير قدامك .. بتسابقنى حتى فى الاكل ؟

-جرى ايه يا راجل .. انت بتعد عليا اللقمة اللى بكُلها ولا ايه ؟ خلينا نتسلى واحنا بنتفرج على الاخبار !

شربت قليلاً من إزازة الكازوزة وكأنى اشرب بيرة لانسى مرار العيشة واطلعت تكريعة قوية ثم قلت – طب اسكتى بقى .. خلينا نتفرج على المُز.. اقصدى النشرة .. خلينا نشوف الدنيا بيجرى فيها ايه ؟

مصمصت شفايفها ثم قالت –حيكون بيحصل فيها ايه يعنى ؟ بلا خيبة .. تلاقيها نفس الاخبار الحمضانة بتاعت كل يوم .. فلان مات .. فلان اعتقل .. فلان بيقول فلان بيعيد .. انت بتتفرج علشان الولية صح ؟ ونبى انا ماعارفة عجباك فى ايه ؟ دى معصعصة ومعضمة وسمجة كده .. انا احلى منها بمراحل !

-طبعاً يا روحى .. الحلاوة حلاوة الروح

زغتدنى فى كتفى ثم قالت –طبعاً يا روحى .. امال انا مستحملاك ازاى لولا روحك الحلوة دى

-طب اكتمى بقى وخلينا نشوف الاخبار

وبدأت اشاهد المذيعة وهى تتكلم وتذيع الاخبار بأبتسامة جميلة تشعرك بأن الحياة تافهة وان هذه الاخبار ليست اكثر من روتين يومى .. هذه سياسة قنوات عالمية .. يأتون لك بمذيعة جميلة لتخفف لك من وطأ صدمة الاخبار وبشاعتها !

المذيعة : وقد صرح مصدر مسئول بالوزارة ان ازمة قطع الكهرباء سوف تنتهى بأسرع وقت بأمر من رئيس الجمهورية وعلى المواطنين تخفيف الاحمال لكى تُحل المشكلة ونبشر المصريين بمستقبل افضـ...

*النور قطع*

-يادى القرف والنيلة .. حتى وهم بيبشروا بمستقبل افضل النور قطع .. ده حظ دكر !

-يا راجل .. وهو ده حظ ؟.. انت اللى نحس

-بقولك ايه يا ولية مستفزنيش .. المروحة وقفت والجو حيحرر ومش شايف قدامى عندك كلمة حلوة قوليها 

معنديش يبقى حطى الفشار جوا بوقك واسكتى

-وانا مالى .. انت حتطلعوا عليا .. روح اتشطر على اللى بيقطعوا عليك الكهرباء !

-انت بتقولي فيها .. فين الموبايل ؟

--ونبى ما عارفة .. روح الحمام حتلاقى الكشاف على قاعدة التواليت خده ودور على الموبايل براحتك !

-وانت حاطة الكشاف على قاعدة التواليت ليه ؟

-يوه هو تحقيق ولا ايه ؟ خلاص حرن لك عليه .. بس اوعى تفتح عليا

-صبرنى يا رب

أخذت ام دنانيرى الموبايل ورنت اقل من ربع رنة وكأنها خائفة من ان ايدى تأتى بطريقة غامضة على الهاتف وهو فى جيب البنطلون الخلفى على زرار الاتصال فتُحسب عليها مكالمة !

-حتشوفى حعمل ايه دلوقتى

اخذت تليفونى بغضب شديد وطلبت 140 دليل وطلبت نمرة مسئول فى شكرة الكهرباء واعطونى النمرة ثم استعديت واخذت رشفة من إزازة الكازوزة وطلبت النمرة

-الو

-ايوة يا فندم مين معايا ؟

-انا الشعب يا سيادة المسئول !

-انت هتهزر معايا يا استاذ ؟

-وحهزر معاك مبناسبة ايه ؟ انا واحد عايش فى مصر والنور بيقطع عليه بطريقة غير معقولة !

-وهو لوحدك يا استاذ ؟ ما انت عارف الظروف صعبة

-دى المرة الرابعة اللى النور يقطع فيها النهاردة ..والمرة بتعدى الساعتين !


-لا لا مش معقول ..

-شفت بقى يا فندم !

-اربعة بس .. المفروض يقطعوا خمس مرات فى اليوم !

-يلا يا حيوان يا ابن الــ......

قفلت السكة وانا فى غاية العصبية والقيت بالموبايل بعيداً عنى وجلست مرة اخرى على السرير بجانب ام دنانيرى وهى تقهقه وتأكل الفشار

-ونبى انا معارفة انت معصب نفسك ليه .. ما الدنيا حلوة اهيه .. اتعشينا وشربنا والجو رومنتيكى على اضواء الكشافات .. ما تى يلا بقى يا راجل .. هو فى فرصة احسن من كده ؟

-بقولك ايه يا ولية انا مش فايق لك .. الواد نايم جوا والجو حر .. مش نقصة فرهدة وتلزيق على المسا .. انا مسحمل نفسى بالعافية !

-دايماً كاسر نفسى .. ما انت كمان اللى مش بتسمع كلام الحكومة.

-كلام ايه اللى مش بسمعه !

-قلت لك خفف احمال .. خفف يا خويا ده الجو حر حتى اليومين دول !

-اخفف اكتر من كده ايه يا ولية ! .. ده انا لابس فانلة ولباس .. اكتر من كده ما ينفعش.

-ما هى قالت لك الحكومة قالت المشكلة حتتحل قريب.

-موت يا حمار

-وبعدين ما هم بيحفرولك قناة سويس جديدة.

-قال يعنى حاخد الفلوس اللى حتيجى منها فى جيبى .. يا ولية انا عايز الحاجات اللى تخلينى اعيش النهاردة وبكرة لحد اما ربك يريد ونهاجر من المخروبة دى .. او نموت.

-لا متقولش كده يا ابو دنانيرى ربنا يديك الصحة وطولة العمر

-وزودى عليهم النور والفلوس وانت بتدعى .. انا قايم رايح الحمام

-طب خد الكشاف معاك عشان متطرطش على القاعدة وتلحوس لى الدنيا

-ماشى

ذهبت الى الحمام متبع نصيحة زوجتى بأخذ الكشاف معايا وبدأت ادنن "رفضك يا زمانى يا مكانى انا عايز اعيش فى كوكب تانى" بس يكون فيه الكهرباء ما بتقطعش ! وقضيت حاجتى وخرجت ثم سمعت صوت هيصة فى الشارع .. على حد علمى ان الاهلى لا يلعب اليوم بل الزمالك .. لا يوجد اى سبب لهذه الهيصة ؟ .. إلا ان وجدت ان النور قد عاد فعدت اجرى الى الغرفة وقفت امام المروحة وتنفست ذلك الهواء البارد وجلست على السرير بجانب ام دنانيرى لتعود لكلامها مرة اخرى

-اهو مغبش المرة دى

-وانت عايزاه يغيب كمان !

-استهدى بالله يا خويا مكنتش كهرباء اللى حتضيعك مننا

-الله يخرب بيتك يا سـ.....

قاطعتنى – ايه ؟ حتغلط لا .. خليك بإحترامك وهو الراجل ماله ؟

كتمت غيظى واثرت السِلم وجلست مرة اخرى على السرير وفتحت التليفزيون

-هاتلنا بقى حاجة فرفشة كده عشان الواحد يفك

-حجيب المسلسل بتاع الساعة 9 الا ربع .. ده يجنن .. نور الشريف متهمينه فى معالى زايد

-يا ولية نور الشريف ايه ومعالى زايد ايه اللى عايزه تفرجينى عليهم .. بقولك فرفشة .. مايا دياب .. نانسى عجرم .. البت بتاعه الاخبار كده يعنى

-حاسب على لسانك بقى عشان حقطعهولك .. حد يبقى جنبه الجمال والدلال ده كله ويبص برا !

أستسلمت مرة اخرى وجلست منتظر مسلسل معالى زايد ونور الشريف مستمتع بالاعلانات والنور والصحبة الحلوة .. ثم جاء اعلان جديد فى التليفزيون

*جنيريتور السعادة .. حتى تستطيع ان تشاهد اولادك وهم يكبروا .. لا تضيع على نفسك الذكريات مع جنيريتور السعادة .. فقط بالف وخمسائة جنية غير مصاريف الشحن*

-اتفضلى يا ستى .. اهو بقينا بنتمسخر حتى فى الاعلانات.. هاتى النشرة عقبال ما المسلسل يجي

المذيعة : وقد صرح مصدر مسئول ان أزمة قطع الكهرباء تتوقف منذ الان بعد ان تم افتتاح محطة جديدة لتوليد الكهرباء وان القطع سوف يقتصر على مناطق المصانع وأن القاهرة ومحافظتها لن تشهد انقطاعاً مرة اخرى ونتبأ لمصر بمستقبل افـ...

*النور قطع*

سادت لحظة صمت طويلة .. ثم عرضت على ام دنانيرى سهرة فرفشة مرة اخرى وانا جالس افكر فى حياتى المظلمة والايام السوداء وتذكرت فى تلك اللحظات طه حسين وانى اشاركه فى عِلته فى معظم اوقات اليوم ولم اتمالك نفسى وبدأت فى البكاء مثل الاطفال ورميت اليمين على ام دنانيرى ونزلت الشارع اجرى بالفانلة واللباس وانا اردد "النور مكانه فى القلوب هاهاهاهااهع .. النور مكانه فى القلوووب هاهاهااهااااهع"


مصطفى الشابي

الخميس، 14 أغسطس 2014

أين الله ؟

اين الله ؟

أستيقظت فى مكان مألوف بالنسبة لى ، وجدتنى واقفاً على أرضً صلبة والطريق امامى يملأه التراب الأصفر على جانبيه ولا يوجد به احد سواى، بدأت فى المشئ بخطوات مضطربة أبحث عن اى علامة تُرشدنى فتقضى على تساؤلاتى .. أين انا من بين بلاد الله واين الناس ؟ أين ذلك الصخب الذى لا يفارق الشوارع ليل نهار .. أيعقل ان يختفى الناس هكذا فى آن واحد ؟!

صوت خطواتى المضطربة تلوث الهدوء الذى يسيطر على الجو .. حرارة الشمس تشتد وانا أبحث عن مكان يأوينى وأشعر فيه بالراحة والأمان والماء ولكنى لم أجد سوى صحراء قاحلة على جانبى الطريق، وأثناء سيرى بدأت انتبه لصوت أخر .. مشابه لصوت خطواتى .. لعله صدى صوت ؟ لكنه بدأ يقترب نحوى أكثر فأكثر وانا انصت وأتمنى ان اجد صاحب تلك الخطوات فأجد لى انيس فى وحدتى لعلنا نجد ضالتنا سوياً .. ولكن بمجرد ان رأيت صاحب الصوت علمت انه لا يتوجب على الأنتظار بل .. الركض !

ثلاث رجال يتميزون بالضخامة متشحين بالسواد .. يركضون نحوى وكأنهم يريدون الثأر منى ؟ لا يحملوا اسلحة .. فأجسادهم وضخامتهم هى اسلحتهم .. لم أستطع تخيل نفسى فى قبضتهم فحينها سأصبح هالك لا محاله ! لذلك توجب على الركض حتى أجد مكان أمن لا يستطيعون الوصول لى فيه !

قطرات الماء تنصب من جبهتى ، انظر خلفى كل دقيقة ولكنهم لا يختفوا او يبتعدوا عنى .. أشعر بأن نَفَسى قد انتهى وانى سوف أنتهى معه فلا يوجد مكان سوى قسوة الصحراء الضارية إلى ان وجدت من بعيد هيكل منزل –أو هكذا أظن- .. تمنيت من كل قلبى الا تكون هلاوس الصحراء والسراب الذى يطارد المنكوب والتائه ولكنه لم يكن سراب .. ولكن يكن منزل هو الأخر .. بل كان مسجد ! مسجد يتميز بالفخامة والعراقة .. وجدت امام الباب شيخ يلبس العمة والقفطان .. ذهبت اليه مستنجداً به من اعدائى الذى يسعون ورائى فعندما وجدنى مقبل عليه قال "ماذا بك يا بنى ؟ أهناك ما يتعبك ؟"

أجبت مستنكراً "الا ترى أنى مطارد؟"

رد بصوت مضطرب "ما الذى يمكننى ان افعله لك ؟"

قلت له بلهفة "أنقذنى منهم !"

"حسناً" قالها وقام بفتح باب المسجد ودخلنا معاً ثم أغلق الباب ورائنا

-يتوجب عليك الوضوء والصلاة لأنك فى بيت الله

قلت بتلقائية "ولكنى لم آتى من أجل الله !"

قال متعجباً "ما هذا الكلام .. فى ماذا كنت تفكر قبل الدخول الى هنا ؟"

-الهروب !

قال بعصبية "الهروب ؟ من مَن ؟

-الم ترى من يطاردونى ؟ الا تتخيل ما سوف يحدث لى اذا وجدت نفسى فى قبضتهم ؟ انا لم أدخل هذا المسجد سوى من أجل الهروب منهم ، أملاً ان يحصننى المسجد منهم فيمّلوا ويتركونى فى هذا المكان بهدوء !"

رد على بعصبية مكتومة فى نفسه "أسمع يا بنى .. إن الله يحمى كل من يدخل بيته ولكن إذا كان دافعهم لدخوله هو الله نفسه ليس مجرد اسباب دنيوية .. إن الحماية التى انت محاط بها هنا .. ليست موجودة إلا بسببى .. إن بيت الله لا يحمى المنافقين ! سوف تخرج الأن من باب اخر لهذا المسجد ولكن لا تتوقع ان ينقذك الله منهم فأنت لست مؤمن بما فيه الكفاية ليصرفهم الله عنك !"

-من أنت لتقل على منافق ؟ وما هى سلطتك لتطردنى من بيت الله ؟

-ما اقول هو انى لا يمكننى حمايتك يا بنى ! الله يحب ان يتم الإيمان به خارج حدود المسجد .. الله هو منقذك ليس المسجد !

فكرت للحظة فى هذا الكلام ولكنى لم اعقله .. وفى تلك الاثناء أخرجنى الشيخ من المسجد من خلال باب اخر .. وعدت مرة أخرى الى حرارة الشمس الحارقة والطريق الممتلأ بالرمال وكنت اسرع فى خطواتى لأن كلها لحظات او دقائق ويرانى هؤلاء الرجال مرة اخرى ونستأنف المطاردة ! وبالفعل حدث ما كنت اتوقع وبدأت فى الركض مرة اخرى وهذه المرة احاول الاستنجاد بالله ولكنى لا أجده !

وبعد فترة ليست بقصيرة من الركض نحو اللا نهاية وجدت رجل عجوز يجلس بجانب غرفة من الطوب الاحمر .. 
لاحظ توترى وركضى فندانى وقال لى "تعال .. اسرع الى هنا" وفتح باب الغرفة الخشبى ودخلنا سوياً

"شكراً لك لحمايتى يا رجل .. ولكن أتظن ان هذا المنزل سوف يصمد امام هؤلاء الرجال ؟"

قال وهو يحاول ان يخفف من حدة الموقف "اهدأ .. لن يتمكن احد من ان يصيبك بمكروه هنا"

-ولكن كيف ؟ لم يمنعهم المسجد سوى دقائق والأن تقول ان هذه الغرفة سوف تصمد ؟"

قال بهدوء "إن هذه الغرفة سوف تصمد بالتأكيد .. لقد صمدت طوال فترة حياتى كلها"

قلت بإستغراب "وكيف هذا ؟"

قال "إن الله يحميها"

-الله يحميها ؟ اهذا الغرفة بيت من بيوته ؟

-أمَن الضرورة ان يحمى الله بيوته فقط ؟

-وبالتأكيد .. لانى لم اجد ملاذ من هؤلاء سوى فى بيت الله ولكن بمجرد خروجى وجدتنى بمفردى .. لم أجد الله وحمايته !

-إن الله فى كل مكان يا بنى

-ولكن إذا كان الله فى كل مكان .. لماذا لم اجده خارج المسجد ؟ .. لماذا لم يحيطنى بالحماية اللازمة ضد هؤلاء المتشحين بالسواد ويريدون هلاكى ؟

-من المؤسف ان اجد شباب مثلك لا يروّن من الدين سوى القشرة الخارجية فقط !

-أوضح كلامك يا رجل

سأل متعجباً "هل كنت تظن ان الله فى الهواء والماء ؟ اهذا تعريف كل مكان لك ؟ والله لانت هالك يا فتى !"

-من انت لتنصب نفسك قاض وتقول انى هالك .. لقد تقبلت الامر قليلاً من الشيخ لانه مساعد الله فى الارض ولكن من انت !

-إن الله لا يحتاج مساعدين له فى الارض .. كل ما فى الامر انى املك الله فى داخلى !

قلت بعصبية "استغفر ربك يا رجل .. ما هذا الكلام !"

-اعذرنى لفظاظتى ولكن ما احاول ان اقوله هو ان الله بالفعل فى كل مكان ولكن لكى تطبق هذا الكلام لابد ان يكون الله بداخلك اولاً .. فيصبح معك فى كل مكان !"

-كلامك ليس بسيئ

استكمل قائلاً "فى المسجد انت لم تفكر سوى بالهروب .. وبالتأكيد المسجد وفر لك ذلك ولكن لان الله بداخله .. بمجرد خروجك فأنت وحدك .. لذلك قاموا بمطاردتك مرة اخرى .. لأن الله ليس بداخلك .. لا تبحث عن الله فى هذا الطريق الوعر .. ابدأ بداخلك وحين تجده .. سوف تنتهى كل هذه المطاردات !

-أتقول لى هذا الكلام الأن ! اتتوقع منى ان انفذ هذا الكلام واتغير فى لحظة وبعد ما امتلأ رأسى بالشعر الشايب ؟ اتظن انه من السهل ان اخرج من هذا المنزل وانا بداخلى الله وقد فقدته لاكثر من عشرون عام ؟

-صعب هو الامر .. لكنه ليس بمستحيل .. كل ما يتطلب ذرة إيمان !

-وعلى ان اجدها الأن ؟!

قال محذراً "هذا المنزل لم يبنى ليكن مأوى لك .. كل ما يمكننى ان اوفره لك هو باب اخر للهروب !"

ذهب وفتح لى باب خلفى لهذه الغرفة وقال لى "اذهب"

خرجت وانا افكر وافكر .. لا اعلم كيف من الممكن ان اجد الله بداخلى خصوصاً وانا ليس امامى متسع من الوقت ! ليس امامى سوى الركض نحو بر امان اخر حتى لاحظونى واستكموا مطاردتهم لى .. وفى لحظة قررت الوقوف .. لا يمكننى الهرب طوال الوقت .. هى إذاً اللحظة الحاسمة .. المواجهة .. إما ان اجد الله بداخلى او اجد نفسى فى قبضتهم !

" وَتَحْسَبُ أنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ ،، وفيك إنطَوَى العالمُ الأكبرَ" الإمام على كرم الله وجهه
مصطفى الشابي