الجمعة، 5 سبتمبر 2014

النور مكانه فى القلوب

النور مكانه فى القلوب

فى يوم من الايام وانا جالس مع زوجتى العزيزة ام دنانيرى امام التليفزيون نشاهد نشرة السابعة والنصف ونحن نتسلى بأكل الفشار المملح ونشرب الكازوزة المشبرة .. غير ناعيين اى هم فى نفوسنا .. فلدينا الماء والهواء والطعام والنور والوجه الحسن –المذيعة بالطبع- فإذا رأيتم ام دنانيرى تصبح نعمة البصر نقمة ! ولكن *تنهيدة* .. الحب له احكام !

-انت بتاخدى بالكوبشة ليه يا ولية .. ما الفشار كتير قدامك .. بتسابقنى حتى فى الاكل ؟

-جرى ايه يا راجل .. انت بتعد عليا اللقمة اللى بكُلها ولا ايه ؟ خلينا نتسلى واحنا بنتفرج على الاخبار !

شربت قليلاً من إزازة الكازوزة وكأنى اشرب بيرة لانسى مرار العيشة واطلعت تكريعة قوية ثم قلت – طب اسكتى بقى .. خلينا نتفرج على المُز.. اقصدى النشرة .. خلينا نشوف الدنيا بيجرى فيها ايه ؟

مصمصت شفايفها ثم قالت –حيكون بيحصل فيها ايه يعنى ؟ بلا خيبة .. تلاقيها نفس الاخبار الحمضانة بتاعت كل يوم .. فلان مات .. فلان اعتقل .. فلان بيقول فلان بيعيد .. انت بتتفرج علشان الولية صح ؟ ونبى انا ماعارفة عجباك فى ايه ؟ دى معصعصة ومعضمة وسمجة كده .. انا احلى منها بمراحل !

-طبعاً يا روحى .. الحلاوة حلاوة الروح

زغتدنى فى كتفى ثم قالت –طبعاً يا روحى .. امال انا مستحملاك ازاى لولا روحك الحلوة دى

-طب اكتمى بقى وخلينا نشوف الاخبار

وبدأت اشاهد المذيعة وهى تتكلم وتذيع الاخبار بأبتسامة جميلة تشعرك بأن الحياة تافهة وان هذه الاخبار ليست اكثر من روتين يومى .. هذه سياسة قنوات عالمية .. يأتون لك بمذيعة جميلة لتخفف لك من وطأ صدمة الاخبار وبشاعتها !

المذيعة : وقد صرح مصدر مسئول بالوزارة ان ازمة قطع الكهرباء سوف تنتهى بأسرع وقت بأمر من رئيس الجمهورية وعلى المواطنين تخفيف الاحمال لكى تُحل المشكلة ونبشر المصريين بمستقبل افضـ...

*النور قطع*

-يادى القرف والنيلة .. حتى وهم بيبشروا بمستقبل افضل النور قطع .. ده حظ دكر !

-يا راجل .. وهو ده حظ ؟.. انت اللى نحس

-بقولك ايه يا ولية مستفزنيش .. المروحة وقفت والجو حيحرر ومش شايف قدامى عندك كلمة حلوة قوليها 

معنديش يبقى حطى الفشار جوا بوقك واسكتى

-وانا مالى .. انت حتطلعوا عليا .. روح اتشطر على اللى بيقطعوا عليك الكهرباء !

-انت بتقولي فيها .. فين الموبايل ؟

--ونبى ما عارفة .. روح الحمام حتلاقى الكشاف على قاعدة التواليت خده ودور على الموبايل براحتك !

-وانت حاطة الكشاف على قاعدة التواليت ليه ؟

-يوه هو تحقيق ولا ايه ؟ خلاص حرن لك عليه .. بس اوعى تفتح عليا

-صبرنى يا رب

أخذت ام دنانيرى الموبايل ورنت اقل من ربع رنة وكأنها خائفة من ان ايدى تأتى بطريقة غامضة على الهاتف وهو فى جيب البنطلون الخلفى على زرار الاتصال فتُحسب عليها مكالمة !

-حتشوفى حعمل ايه دلوقتى

اخذت تليفونى بغضب شديد وطلبت 140 دليل وطلبت نمرة مسئول فى شكرة الكهرباء واعطونى النمرة ثم استعديت واخذت رشفة من إزازة الكازوزة وطلبت النمرة

-الو

-ايوة يا فندم مين معايا ؟

-انا الشعب يا سيادة المسئول !

-انت هتهزر معايا يا استاذ ؟

-وحهزر معاك مبناسبة ايه ؟ انا واحد عايش فى مصر والنور بيقطع عليه بطريقة غير معقولة !

-وهو لوحدك يا استاذ ؟ ما انت عارف الظروف صعبة

-دى المرة الرابعة اللى النور يقطع فيها النهاردة ..والمرة بتعدى الساعتين !


-لا لا مش معقول ..

-شفت بقى يا فندم !

-اربعة بس .. المفروض يقطعوا خمس مرات فى اليوم !

-يلا يا حيوان يا ابن الــ......

قفلت السكة وانا فى غاية العصبية والقيت بالموبايل بعيداً عنى وجلست مرة اخرى على السرير بجانب ام دنانيرى وهى تقهقه وتأكل الفشار

-ونبى انا معارفة انت معصب نفسك ليه .. ما الدنيا حلوة اهيه .. اتعشينا وشربنا والجو رومنتيكى على اضواء الكشافات .. ما تى يلا بقى يا راجل .. هو فى فرصة احسن من كده ؟

-بقولك ايه يا ولية انا مش فايق لك .. الواد نايم جوا والجو حر .. مش نقصة فرهدة وتلزيق على المسا .. انا مسحمل نفسى بالعافية !

-دايماً كاسر نفسى .. ما انت كمان اللى مش بتسمع كلام الحكومة.

-كلام ايه اللى مش بسمعه !

-قلت لك خفف احمال .. خفف يا خويا ده الجو حر حتى اليومين دول !

-اخفف اكتر من كده ايه يا ولية ! .. ده انا لابس فانلة ولباس .. اكتر من كده ما ينفعش.

-ما هى قالت لك الحكومة قالت المشكلة حتتحل قريب.

-موت يا حمار

-وبعدين ما هم بيحفرولك قناة سويس جديدة.

-قال يعنى حاخد الفلوس اللى حتيجى منها فى جيبى .. يا ولية انا عايز الحاجات اللى تخلينى اعيش النهاردة وبكرة لحد اما ربك يريد ونهاجر من المخروبة دى .. او نموت.

-لا متقولش كده يا ابو دنانيرى ربنا يديك الصحة وطولة العمر

-وزودى عليهم النور والفلوس وانت بتدعى .. انا قايم رايح الحمام

-طب خد الكشاف معاك عشان متطرطش على القاعدة وتلحوس لى الدنيا

-ماشى

ذهبت الى الحمام متبع نصيحة زوجتى بأخذ الكشاف معايا وبدأت ادنن "رفضك يا زمانى يا مكانى انا عايز اعيش فى كوكب تانى" بس يكون فيه الكهرباء ما بتقطعش ! وقضيت حاجتى وخرجت ثم سمعت صوت هيصة فى الشارع .. على حد علمى ان الاهلى لا يلعب اليوم بل الزمالك .. لا يوجد اى سبب لهذه الهيصة ؟ .. إلا ان وجدت ان النور قد عاد فعدت اجرى الى الغرفة وقفت امام المروحة وتنفست ذلك الهواء البارد وجلست على السرير بجانب ام دنانيرى لتعود لكلامها مرة اخرى

-اهو مغبش المرة دى

-وانت عايزاه يغيب كمان !

-استهدى بالله يا خويا مكنتش كهرباء اللى حتضيعك مننا

-الله يخرب بيتك يا سـ.....

قاطعتنى – ايه ؟ حتغلط لا .. خليك بإحترامك وهو الراجل ماله ؟

كتمت غيظى واثرت السِلم وجلست مرة اخرى على السرير وفتحت التليفزيون

-هاتلنا بقى حاجة فرفشة كده عشان الواحد يفك

-حجيب المسلسل بتاع الساعة 9 الا ربع .. ده يجنن .. نور الشريف متهمينه فى معالى زايد

-يا ولية نور الشريف ايه ومعالى زايد ايه اللى عايزه تفرجينى عليهم .. بقولك فرفشة .. مايا دياب .. نانسى عجرم .. البت بتاعه الاخبار كده يعنى

-حاسب على لسانك بقى عشان حقطعهولك .. حد يبقى جنبه الجمال والدلال ده كله ويبص برا !

أستسلمت مرة اخرى وجلست منتظر مسلسل معالى زايد ونور الشريف مستمتع بالاعلانات والنور والصحبة الحلوة .. ثم جاء اعلان جديد فى التليفزيون

*جنيريتور السعادة .. حتى تستطيع ان تشاهد اولادك وهم يكبروا .. لا تضيع على نفسك الذكريات مع جنيريتور السعادة .. فقط بالف وخمسائة جنية غير مصاريف الشحن*

-اتفضلى يا ستى .. اهو بقينا بنتمسخر حتى فى الاعلانات.. هاتى النشرة عقبال ما المسلسل يجي

المذيعة : وقد صرح مصدر مسئول ان أزمة قطع الكهرباء تتوقف منذ الان بعد ان تم افتتاح محطة جديدة لتوليد الكهرباء وان القطع سوف يقتصر على مناطق المصانع وأن القاهرة ومحافظتها لن تشهد انقطاعاً مرة اخرى ونتبأ لمصر بمستقبل افـ...

*النور قطع*

سادت لحظة صمت طويلة .. ثم عرضت على ام دنانيرى سهرة فرفشة مرة اخرى وانا جالس افكر فى حياتى المظلمة والايام السوداء وتذكرت فى تلك اللحظات طه حسين وانى اشاركه فى عِلته فى معظم اوقات اليوم ولم اتمالك نفسى وبدأت فى البكاء مثل الاطفال ورميت اليمين على ام دنانيرى ونزلت الشارع اجرى بالفانلة واللباس وانا اردد "النور مكانه فى القلوب هاهاهاهااهع .. النور مكانه فى القلوووب هاهاهااهااااهع"


مصطفى الشابي

الخميس، 14 أغسطس 2014

أين الله ؟

اين الله ؟

أستيقظت فى مكان مألوف بالنسبة لى ، وجدتنى واقفاً على أرضً صلبة والطريق امامى يملأه التراب الأصفر على جانبيه ولا يوجد به احد سواى، بدأت فى المشئ بخطوات مضطربة أبحث عن اى علامة تُرشدنى فتقضى على تساؤلاتى .. أين انا من بين بلاد الله واين الناس ؟ أين ذلك الصخب الذى لا يفارق الشوارع ليل نهار .. أيعقل ان يختفى الناس هكذا فى آن واحد ؟!

صوت خطواتى المضطربة تلوث الهدوء الذى يسيطر على الجو .. حرارة الشمس تشتد وانا أبحث عن مكان يأوينى وأشعر فيه بالراحة والأمان والماء ولكنى لم أجد سوى صحراء قاحلة على جانبى الطريق، وأثناء سيرى بدأت انتبه لصوت أخر .. مشابه لصوت خطواتى .. لعله صدى صوت ؟ لكنه بدأ يقترب نحوى أكثر فأكثر وانا انصت وأتمنى ان اجد صاحب تلك الخطوات فأجد لى انيس فى وحدتى لعلنا نجد ضالتنا سوياً .. ولكن بمجرد ان رأيت صاحب الصوت علمت انه لا يتوجب على الأنتظار بل .. الركض !

ثلاث رجال يتميزون بالضخامة متشحين بالسواد .. يركضون نحوى وكأنهم يريدون الثأر منى ؟ لا يحملوا اسلحة .. فأجسادهم وضخامتهم هى اسلحتهم .. لم أستطع تخيل نفسى فى قبضتهم فحينها سأصبح هالك لا محاله ! لذلك توجب على الركض حتى أجد مكان أمن لا يستطيعون الوصول لى فيه !

قطرات الماء تنصب من جبهتى ، انظر خلفى كل دقيقة ولكنهم لا يختفوا او يبتعدوا عنى .. أشعر بأن نَفَسى قد انتهى وانى سوف أنتهى معه فلا يوجد مكان سوى قسوة الصحراء الضارية إلى ان وجدت من بعيد هيكل منزل –أو هكذا أظن- .. تمنيت من كل قلبى الا تكون هلاوس الصحراء والسراب الذى يطارد المنكوب والتائه ولكنه لم يكن سراب .. ولكن يكن منزل هو الأخر .. بل كان مسجد ! مسجد يتميز بالفخامة والعراقة .. وجدت امام الباب شيخ يلبس العمة والقفطان .. ذهبت اليه مستنجداً به من اعدائى الذى يسعون ورائى فعندما وجدنى مقبل عليه قال "ماذا بك يا بنى ؟ أهناك ما يتعبك ؟"

أجبت مستنكراً "الا ترى أنى مطارد؟"

رد بصوت مضطرب "ما الذى يمكننى ان افعله لك ؟"

قلت له بلهفة "أنقذنى منهم !"

"حسناً" قالها وقام بفتح باب المسجد ودخلنا معاً ثم أغلق الباب ورائنا

-يتوجب عليك الوضوء والصلاة لأنك فى بيت الله

قلت بتلقائية "ولكنى لم آتى من أجل الله !"

قال متعجباً "ما هذا الكلام .. فى ماذا كنت تفكر قبل الدخول الى هنا ؟"

-الهروب !

قال بعصبية "الهروب ؟ من مَن ؟

-الم ترى من يطاردونى ؟ الا تتخيل ما سوف يحدث لى اذا وجدت نفسى فى قبضتهم ؟ انا لم أدخل هذا المسجد سوى من أجل الهروب منهم ، أملاً ان يحصننى المسجد منهم فيمّلوا ويتركونى فى هذا المكان بهدوء !"

رد على بعصبية مكتومة فى نفسه "أسمع يا بنى .. إن الله يحمى كل من يدخل بيته ولكن إذا كان دافعهم لدخوله هو الله نفسه ليس مجرد اسباب دنيوية .. إن الحماية التى انت محاط بها هنا .. ليست موجودة إلا بسببى .. إن بيت الله لا يحمى المنافقين ! سوف تخرج الأن من باب اخر لهذا المسجد ولكن لا تتوقع ان ينقذك الله منهم فأنت لست مؤمن بما فيه الكفاية ليصرفهم الله عنك !"

-من أنت لتقل على منافق ؟ وما هى سلطتك لتطردنى من بيت الله ؟

-ما اقول هو انى لا يمكننى حمايتك يا بنى ! الله يحب ان يتم الإيمان به خارج حدود المسجد .. الله هو منقذك ليس المسجد !

فكرت للحظة فى هذا الكلام ولكنى لم اعقله .. وفى تلك الاثناء أخرجنى الشيخ من المسجد من خلال باب اخر .. وعدت مرة أخرى الى حرارة الشمس الحارقة والطريق الممتلأ بالرمال وكنت اسرع فى خطواتى لأن كلها لحظات او دقائق ويرانى هؤلاء الرجال مرة اخرى ونستأنف المطاردة ! وبالفعل حدث ما كنت اتوقع وبدأت فى الركض مرة اخرى وهذه المرة احاول الاستنجاد بالله ولكنى لا أجده !

وبعد فترة ليست بقصيرة من الركض نحو اللا نهاية وجدت رجل عجوز يجلس بجانب غرفة من الطوب الاحمر .. 
لاحظ توترى وركضى فندانى وقال لى "تعال .. اسرع الى هنا" وفتح باب الغرفة الخشبى ودخلنا سوياً

"شكراً لك لحمايتى يا رجل .. ولكن أتظن ان هذا المنزل سوف يصمد امام هؤلاء الرجال ؟"

قال وهو يحاول ان يخفف من حدة الموقف "اهدأ .. لن يتمكن احد من ان يصيبك بمكروه هنا"

-ولكن كيف ؟ لم يمنعهم المسجد سوى دقائق والأن تقول ان هذه الغرفة سوف تصمد ؟"

قال بهدوء "إن هذه الغرفة سوف تصمد بالتأكيد .. لقد صمدت طوال فترة حياتى كلها"

قلت بإستغراب "وكيف هذا ؟"

قال "إن الله يحميها"

-الله يحميها ؟ اهذا الغرفة بيت من بيوته ؟

-أمَن الضرورة ان يحمى الله بيوته فقط ؟

-وبالتأكيد .. لانى لم اجد ملاذ من هؤلاء سوى فى بيت الله ولكن بمجرد خروجى وجدتنى بمفردى .. لم أجد الله وحمايته !

-إن الله فى كل مكان يا بنى

-ولكن إذا كان الله فى كل مكان .. لماذا لم اجده خارج المسجد ؟ .. لماذا لم يحيطنى بالحماية اللازمة ضد هؤلاء المتشحين بالسواد ويريدون هلاكى ؟

-من المؤسف ان اجد شباب مثلك لا يروّن من الدين سوى القشرة الخارجية فقط !

-أوضح كلامك يا رجل

سأل متعجباً "هل كنت تظن ان الله فى الهواء والماء ؟ اهذا تعريف كل مكان لك ؟ والله لانت هالك يا فتى !"

-من انت لتنصب نفسك قاض وتقول انى هالك .. لقد تقبلت الامر قليلاً من الشيخ لانه مساعد الله فى الارض ولكن من انت !

-إن الله لا يحتاج مساعدين له فى الارض .. كل ما فى الامر انى املك الله فى داخلى !

قلت بعصبية "استغفر ربك يا رجل .. ما هذا الكلام !"

-اعذرنى لفظاظتى ولكن ما احاول ان اقوله هو ان الله بالفعل فى كل مكان ولكن لكى تطبق هذا الكلام لابد ان يكون الله بداخلك اولاً .. فيصبح معك فى كل مكان !"

-كلامك ليس بسيئ

استكمل قائلاً "فى المسجد انت لم تفكر سوى بالهروب .. وبالتأكيد المسجد وفر لك ذلك ولكن لان الله بداخله .. بمجرد خروجك فأنت وحدك .. لذلك قاموا بمطاردتك مرة اخرى .. لأن الله ليس بداخلك .. لا تبحث عن الله فى هذا الطريق الوعر .. ابدأ بداخلك وحين تجده .. سوف تنتهى كل هذه المطاردات !

-أتقول لى هذا الكلام الأن ! اتتوقع منى ان انفذ هذا الكلام واتغير فى لحظة وبعد ما امتلأ رأسى بالشعر الشايب ؟ اتظن انه من السهل ان اخرج من هذا المنزل وانا بداخلى الله وقد فقدته لاكثر من عشرون عام ؟

-صعب هو الامر .. لكنه ليس بمستحيل .. كل ما يتطلب ذرة إيمان !

-وعلى ان اجدها الأن ؟!

قال محذراً "هذا المنزل لم يبنى ليكن مأوى لك .. كل ما يمكننى ان اوفره لك هو باب اخر للهروب !"

ذهب وفتح لى باب خلفى لهذه الغرفة وقال لى "اذهب"

خرجت وانا افكر وافكر .. لا اعلم كيف من الممكن ان اجد الله بداخلى خصوصاً وانا ليس امامى متسع من الوقت ! ليس امامى سوى الركض نحو بر امان اخر حتى لاحظونى واستكموا مطاردتهم لى .. وفى لحظة قررت الوقوف .. لا يمكننى الهرب طوال الوقت .. هى إذاً اللحظة الحاسمة .. المواجهة .. إما ان اجد الله بداخلى او اجد نفسى فى قبضتهم !

" وَتَحْسَبُ أنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ ،، وفيك إنطَوَى العالمُ الأكبرَ" الإمام على كرم الله وجهه
مصطفى الشابي


الجمعة، 25 يوليو 2014

نشرة واحدة

نشرة واحدة

كنت قد أتفقت مع زميلى وصديق الطفولة محمود اننا سوف نذهب لنقضى بعض المشاوير الهامة فى بعض المصالح الحكومية .. فتلك المشاوير لا يُستحب ان تذهب لقضائها وحيداً حتى لا يسيطر عليك وحش الملل والروتين فتجد من يسليك ويهون عليك ساعات الانتظار الطويلة .. ولكن وجدت ان ساعات الانتظار سوف تبدأ تحت بيت محمود .. فبعد محاولات فاشلة للاتصال به قررت ان اصعد الى المنزل لكى اخذه معى قضاء تلك المشاوير .. وكان الأمر عادى فكنت من المترددين على هذا المنزل منذ الابتدائية فكنا نجلس مع بعضنا بالساعات لللعب واللهو.

صعدت درجات السلم الرخامية ووقفت قليلاً من الوقت امام الباب مدققاً فى تفاصيله التى أصبحت جزء لن يمحى من ذاكرتى حتى سمعت صوت من الداخل يقول "جاية اهو" وفُتح الباب

"أهلاً أهلاً يا مصطفى منور يا حبيبى" قالت والدته صديقى مدام سميرة وقد أرتسمت على وجهها ابتسامه عريضة مرحبة بقدومى

-أتفضل يا حبيبى

-شكراً يا طنط .. انا مش حطول عليكم بس هو محمود هنا ؟

-اه يا حبيبى أصحهولك فى ثوانى

-معلش يا طنط والله بس عشان عندنا مشوار مهم .. هو تلاقيه نسى

-لا لا متقولش كده يا حبيبى اصحهولك اوامك .. هو كده خُم نوم .. أتفضل استريح عقبال ما أصحهولك .. تشرب ايه ؟

-لا لا ملوش لزوم يا طنط

-عيب يا حبيبى لازم تشرب .. هو انت بخيل ولا ايه ؟

-خلاص يا طنط طلما انت مصممة يبقى اى حاجة من إيدك

-ماشى .. خش استريح بقى البيت بيتك ..

دخلت الى غرفة الجلوس وأخترت مكان بعيد عن أنظار اهل المنزل حتى لا اشعر انى دخيل الى حد ما .. وسمعت صوت مدام سميرة وهى تنادى على محمود "أصحى يا محمود .. أصحى يا مدهول انت مصطفى هنا وعايزك .. يلا بسرعة" ، ثم فى أثناء انتظارى لمحمود جاء عمو خالد والد محمود ودخل غرفة الجلوس وكانت بيننا علاقة معرفة ليست بالقوية ولا بالضعيفة .. ولكنها كانت علاقة احترام متبادل .. هو ظابط متقاعد منذ سنتين وكنت أسمع من محمود انه يجلس طوال اليوم فى البيت لا يفعل شئ سوى اعطاء الاوامر لكل من فى المنزل حتى فى المطبخ فى محاولة لإقناع نفسه بأنه مازال فى الخدمة ومازال لديه القدرة على إعطاء الاوامر ، وعندما وجدنى أجلس على الفوتية أقبل على مُرحباً

-أهلاً أهلاً يا مصطفى

-أهلاً يا عمو ازى حضرتك ؟

-الحمد لله يا ابنى .. انت ازيك وازى الدراسة ؟

-الحمد لله يا عمو

- وازى العيلة الكريمة ؟

-بيسلموا على حضرتك

-اشكرك اشكرك .. اتفضل استريح ..

ثم جلس على الكنبة وأخد ريموت التليفزيون وآتى بقناة اخبارية وجلس ليتابع بأهتمام أخبار الدينا ... وكانت جميع الأخبار من فصيلة "قتيلان وعشرة مصابين فى انفجار" "قصف جوى على غزة" "جيش المقاومة السورية يقتل مائة من جيش النظام" "داعش تقيم مذبحة جديدة" "عمليات تكفيرية فى سيناء" والغريب ليس فى الاخبار .. فهى عادية .. ليس بها شئ جديد .. ولكن الغريب كان فى عمو خالد .. فكان يتابع الاخبار وكأنه يشاهد مسرحية هزلية ، ابتسامة عريضة على وجهه وقهقهة من حين لأخر .. ثم دخلت طنط سميرة ومعاها صانية بها عصير برتقال

-أتفضل يا مصطفى .. يوه *موجه كلامها لزوجها* انت مش حتبطل فُرجة على اخبار دى ؟

-اهو نعمل حاجة بدل قاعدتنا دى ولا انت ايه رأيك يا مصطفى ؟

قلت بتلقائية "تسلية يا فندم .. تسلية"

قالت سميرة " نفسى افهم غيتك ايه فى الفرجة على الاخبار دى .. إلا ما فيها خبر واحد حلو يوحد ربنا"

رد خالد بضيق "عجبانى بقى يا ستى انت .. خليكى فى المطبخ بتاعك واتكلى على الله"

ردت عليه بسخرية "ماشى يا خويا .. بس عالله تيجى عالمطبخ ده وتقعد تشخط وتنطر زى كل مرة"

ذهبت مدام سميرة الى المطبخ وهى تنادى على محمود وتقول "يلا يا محمود بقى" ثم التفت لى عمو خالد بعد قرائته للمنشت الذى ظهر على الشاشة ثم قال وفى عينه لمعة "غريبة الأخبار دى !"

أستغربت قليلاً من الكلام ثم قلت "غريبة ازاى يعنى يا عمو ؟ ما هى اخبار زى باقى الاخبار اللى بنشوفها كل يوم !"

قال"ايوة .. ما عشان كده هى غريبة"

قلت وقد زادت حيرتى "مش فاهم يا عمو والله"

رد "زمان كنت تلاقى الاخبار مختلفة من بلد لبلد .. دلقوتى الأخبار بقت هى هى .. الصور هى هى .. حتى تصريحات الرؤساء هى هى ، وفى الاخر اللى بحصل هو هو"

قلت "وهو ايه اللى بيحصل كل مرة ؟"

قال "ولا حاجة" ثم اطلق ضحكة وبعدها أكمل قائلاً "الناس اللى بتطلع فى التليفزيونات ولابسة بدل ومتهندمة دى وحاطة رجل على رجل وقدامها كوباية ماية بمورد وبتقولك لازم الوضع اللى فى غزة يقف .. ولازم اللى بيحصل فى العراق ده يبقى له حد ، ولازم اللى بيحصل فى سوريا ده يكون له حل .. هم اكتر ناس مش عايزين الوضع يخلص ويتحل"

قلت بعد همهمة "حاميها حراميها يعنى"

رد بأبتسامة "لا .. يقتل القتيل ويمشى فى جنازته يقول كنت بنصحه يبطل دخان"

قلت متسائلاً "طب والحل ايه يا عمو ؟"

قال بيأس "مفيش حل .. طول ما الناس اللى بتتحكم فى البلاد دى مش عايزة حل يبقى مفيش حل"

قلت بتفائل "يمكن اما نبقى احنا دولة عظمى نلاقى حل"

أطلق ضحكة عالية وقال "الله يحظك .. ده انت بتضحك اكتر من الاخبار .. عقبال ما نبقى دولة عظمى –ده لو باقينا
يعنى- حيبقى البلاد اللى انت عايز تنقذها دى اتشالت من على الخريطة"قلت "يبقى الحل بإيد ربنا بقى"

قال عمو خالد "والله الواحد نفسه يعرف حكمة ربنا فى اللى بيحصل ده .. ناس بريئة بتموت كل يوم وناس وسخة عايشة ومش بتموت .. العالم كان ممكن يكون احسن لو الناس الصح هى اللى عاشت... زمان كنت بشوف الاخبار دى واضايق .. دلوقتى خلاص .. جالى تناحة وبقيت بضحك على المسرحية اللى ورا الستار .. اللى مش بيشوفها الجمهور .. بيحسها بس .. ده لو لسه بيحس يعنى"

قلت "مش عارف والله .. الواحد بقى متلغبط .. مبقتش حتى عارف من الصح ومين الغلط .. مين اللى المفروض يعيش ومين اللى المفروض يموت !"

قال بحزن "والله ياابنى انا بدعى ربنا انه يخرجنا منها على خير"

قلت "والله يا عمو انا بحس اننا فاهمين ربنا غلط"

قال مستغرباً "غلط ازاى يعنى ؟"

رديت وقلت " يعنى .. البلاد اللى عماله تُقع ومش بتقوم دى عماله تقول بندعى ربنا انه يرجع لنا بلادنا ، ينصر بلادنا وكأن ربنا يعنى بيحقق الأمانى كده وخلاص .. الناس دى مش بتعمل حاجة عشان بلادها تقوم وتنتصر .. هم كمان مش عايزين البلد تقوم على حيلها .. القوة مش فى إيد الناس اللى برا بس .. الناس اللى برا واللى جوا .. على رأى احمد ذكى .. كلنا فاسدون لا استثنى احداً .. حتى بالعجز الصامت قليل الحيلة"

أطلق تنهيدة ثم قال "يلا يا ابنى بقى .. الحل دلوقتى هو اننا نغير القناة بقى .. الا بيقولك فى رقاصة جديدة مكسرة الدينا .. اسمها شاهيناز باين ؟!"

ضحكت فى سرى وارتسمت ابتسامة على وجهى "صافيناز يا عمو"

قال وهو يتأكد ان طنط سميرة فى المطبخ "دى عليها حاجات يا ولد" واتبعها بضحكة ثم تنهيدة .. ثم اكمل "اهيه .. ليت الشباب يعود يوماً بقى"

اطلقنا بعض الضحكات وتبادلنا اطراف الحديث حتى أنهيت شراب البرتقال ثم وجدت محمود فى النهاية مقبل عليّ بعد نصف ساعة انتظار .. ودعت عمو خالد وطنط سميرة وخرجت مع محمود لنتناقش فى قضيانا المملة التافهة مثل كل يوم .. تاركين وراء ظهورنا قضايا الوطن العربى والبلد المحبوب حتى إشعار أخر.


مصطفى الشابي