الأحد، 6 يناير 2019

لما الشتا يدق البيبان

لما الشتا يدق البيبان

مساء الخير ..

اكتب لكم هذا المقال بأطراف مجمدة، لا استطيع حمل القلم والكتابة .. حتى الافكار تخرج من عقلى مجمدة كقطع ثلج فى كوب "حاجة ساقعة".. لا اعلم بماذا تشعروا ولكنى اجد ان برد الشتاء قاسى .. خصوصاً على محبين بهجة الصيف .. لطالما كان الشتاء بالنسبة لى فصل كئيب، ليس يوم فقط بتجميد اطراف جسدى ويصيبنى بأفظع انواع البرد والزكام وخلافه .. بل ايضاً يقوم بتذكرتى بأنى وحيد ولم احقق اى من احلامى بعد !

ومع طول الليالى الشتوية أبدأ بالتفكير فى المستقبل وتذكر الماضى فأنسى الحاضر الذى اعيشه .. وأدخل فى دوامة فصل الشتاء التى لا تنتهى .. لعل الشئ الوحيد الذى اعشقه فى الشتاء هو استماعى للموسيقى الكلاسيكية اثناء المطر .. لتصبح حياتى كمشهد جميل فى فيلم فرنسى هادئ .. ولكنى اجد نفسى فى نهاية المقطوعة الموسيقية كأنى فى فيلم لنادية الجندى ملئ بالتوتر والاكشن والاثارة .. وهنا يأتى السؤال .. هل مُقدر لنا ان تصبح حياتنا كفيلم فرنسى هادئ، مريح للاعصاب ؟ ام كُتب علينا ان نعيش التوتر والاكشن والاثارة التى تعيشه الفنانة نادية الجندى فى جميع افلامها ؟ 

هل هذا انا فقط ؟ هل انا فقط من تزيد همومه فى فصل الشتاء وتنفرج بمجرد قدوم فصل الربيع الوردى ؟ لا اعلم ولكن عند قدوم الشتاء اشعر انه لن ينتهى وانى سأغرق فى المطر وهمومى فى آن واحد ! اظن ان يوجد الكثير مثلى .. بمجرد قدوم الشتاء يأتى اتوبيس الهموم وينزل ركابه اما باب الغرفة منتظرين استيقاظى من النوم ليبدأوا بالانقضاض عليا واحداً تلو الاخر .. كم اتمنى ان يأتى الصيف ليقضى عليهم بأشعة شمسه المبهجة ويخلصنى من هذا الحزن !

لا اريدكم ان تظنوا انى متحامل على فصل الشتاء .. ففى النهاية هو فصل فاضل يوجد به الكثير من الذكريات الجميلة .. والاهم انه يوجد به عبير الطفولة البريئة المختبئة فى رائحة اليوسفى الجميلة .. ولكن يوجد شئ دائماً حزين به .. قد يقول بعض الاشخاص المهتمين بالاساطير ان السماء انفصلت عن الارض فى هذا الوقت من العام .. لذلك تقوم السماء بالبكاء فى هذه الايام حزناً على الفراق، وقد يقول المهتمين بالسينما ان اغلب مشاهد الحزن والانفصال والتجهيز للمهمات الوطنية كانت فى المطر عندما كان يمشى البطل على كوبرى قصر النيل وحيد فى المساء بجاكته الجلد المميز .. قد يتذكر البعض المهتم بالموسيقى اغانى مثل "لما الشتا يدق البيبان"  او اى اغنية "حبيتك بالصيف" والسيدة فيروز تغنى وسعيدة بإستلامها رسالة من حبيبها كاتبها لها بالدمع الحزين، ولكن كان الشتاء ماكر وقام بتشويهها فتقول "وحروف الرسالة محيها الشتى" .. لعلى اكون تحاملت فعلاً على فصل الشتاء .. او من الممكن ان اكون ظلمته .. ويكون حزن الناس المتراكم عبر السنوات هو ما اوحى لى ان الشاء فصل حزين ورمادى اللون "دمعته على خده".

وعلى النقيض تماماً نجد فصل الصيف .. الفصل المشرق والملئ بالحيوية والنشاط، أشعة الشمس .. بهجة، الجو الحار يرطبه البحر .. ويحلى السهر والسمر فى المساء وسط الاصدقاء والعائلة، الكل يعانى فى الشتاء .. والكل فى الساحل فى الصيف، نجمع تبرعات لشراء البطاطين فى الشتاء، ونقوم بشراء مايوهات فسفورية فى الصيف .. اروع قصص الحب فى الافلام كانت فى الصيف والطف الافلام الكوميدية الكلاسيكية كانت فى الصيف "شاطئ المرح"، "فى الصيف لازم نحب" ولا ننسى اغانى عبد الحليم "قاضى البلاج" و"دقوا الشماسى" الذى يتغنى فيهم حليم بروعة الصيف "بسم الهوا والشمس والبلاجات، بسم الشباب والحب والاجازات" .. اظن انى لن اى اغنية او كوبلية يقوم بوصف بهجة الصيف مثل هذه الاغنية.

فى النهاية اظن ان تذمرى هذا عن فصل الشتاء وبرودته وكئابته لن يجعل الايام تمر أسرع .. ولكن كان يجب علي ان اشارك ما اشعر به .. حتى لو مع نفسى .. حتى إذا حدث لى شيئاً فى هذا الفصل تعلموا من هو الجانى وأن المجنى عليه عانى قبل وفاته بالرشح، الزكام، الحرارة الشديدة وعدم الاحساس بصوابع قدمه .. ولكن فى النهاية كما اقول لنفسى فى اوقات الضيق .. لا شئ يستمر إلى الابد، فكل شئ يتغير مع مرور الزمن .. حتى الزمن نفسه يتغير لذلك كل ما يمكننا فعله هو الانتظار .. حتى تتغير الايام والفصول ويأتى الصيف من جديد ومعه بهجته المعهودة وايامه المشرقة .. حينها ستشرق الشمس على ايامنا المظلمة وتتبدل الاحوال إلى الافضل .. دائماً إلى الافضل.


                  مصطفي الشابي


الأحد، 12 أغسطس 2018

الأحلام ممكن تتحقق ؟ (جايز)


الأحلام ممكن تتحقق ؟ (جايز)

مساء الخير ..

فى كل مرة ابدأ فى كتابة مقال جديد اشعر وكأنه اخر مقال اكتبه .. وكأن القدرات الابداعية تتلاشى وسط مزاحم الحياة والتفكير المستمر فيها .. ولكنى دائماً اعود للكتابة حتى لو بعد غياب طويل، ففى النهاية مهما كانت مشاغل الإنسان يعود دائماً لما يحب او لمن يحب ! وهنا يجب أن اطرح سؤال وجودى ايقظنى وانا على مشارف اول حلم جميل هادئ .. وهو "هل تتمسك بنا الأحلامنا بقدر ما نتمسك نحن بها ؟ ام تتخلى عنا بمجرد ان تشغلنا الحياة قليلاً ؟" أرقنى السؤال كثيراُ قبل أن اقوم بالكتابة .. علماً بأنى اكتب هذا المقال وانا لا أعلم إجابة السؤال .. وكما قلت فى مقال سابق لي .. "انا يا عزيزى لا أقدم الحلول .. انا هنا للبحث عنها !"

تقول نظرية "إن الأحلام التى يتمناها الإنسان ويرغب فى تحقيقها طوال حياته ما هى إلا شئ من نسيج خياله لتجعله يستمر فى حياته المملة .. لانه مُيقن انه فى يوم ما حلمه سيتحقق" وانا أرى ان هذه النظرية يوجد بها شئ من الحقيقة .. نحلم جميعاً بالجنة .. ولكننا لا نعرف هل ندخلها ام لا ! نعافر فى الحياة ونتحمل الصعاب والآلام إيماناً منا بأننا فى يوم ما سندخلها .. نظرية متشائمة بعض الشئ ... اما على الصعيد التفاؤلى للحياة،  بعض الأحلام تتحقق بالفعل .. ليس كلها بالتأكيد ولكن الدليل على ذلك ان الكثير منكم قد حقق فى حياته بعض احلامه .. فهى فى النهاية نظرية تحتمل الصواب والخطأ .. كالكثير من الأشياء فى حياتنا .. ولكن ما اؤمن به بنسبة لا تتحمل الشك .. أن الإنسان بدون حلم وهدف فى الحياة هو إنسان راكد !

لا يسعنى وانا أكتب هذا المقال سوي تذكر عادل امام فى مسرحية الزعيم وهو يغنى "الاحلام ممكن تتحقق"، بغض النظر انه قالها ثم وقع من فوق سطوح منزلهم ولكنه لديه حق .. بغض النظر عن العوائق والموانع ففى النهاية تستطيع ان تحقق احلامك .. او على الاقل بعض منها. وبما انى ذكرت مسرحية جاء فى بالى تساؤل وجودى اخر مهم للغاية .. "هل يشعر الكاتب تجاه شخصياته بالرأفة والشفقة والحزن ؟ ام انه خلق بعضهم للمعاناة فقط من اجل تكامل اركان الرواية ؟"

هذا السؤال يريد تفكير عميق .. لذلك سأتركه هنا للتذكرة انى بحاجة للإجابة عليه .. ولكن ما أثق به انى عندما أقوم بكتابة اول رواية او فيلم لى .. لن اخلق شخصية لمجرد المعاناة فى اطار الحبكة .. سأجعلهم كلهم فى النهاية سعداء، محققين احلامهم وطموحهم، يعيشون مع من يحبوا ويفعلوا ما يحبوا .. لعله تفكير طفولى برئ ولكن فى بعض الاوقات نحتاج إلى التفكير بهذه البراءة لتخفيف ما ترميه علينا الحياة من اعباء ..  وإلا ان تأتى هذه الرواية .. اذهب انا إلى النوم لأرى بنفسى هل ينتظرنى الحلم الهادئ الذى كنت سأبدأه .. ام انه تركنى لأحظى بليلة بلا أحلام.
                                                                                        
   مصطفى الشابى 
             

                                                                                 

الخميس، 5 أبريل 2018

لا تخرج قبل أن تقول وداعاً


لا تخرج قبل أن تقول وداعاً

إن كنت من أصحاب القلوب الضعيفة والرقيقة -مثلى- دائمين التعلق بالأشياء والأشخاص فهذا المقال مناسب لك تماماً، ولكن إن كنت تأمل على إيجاد حل لهذه المشكلة فأخرج الأن فأنا يا عزيزى لا أقدم حلول .. انا هنا للبحث عنها !

تعودت منذ الصغر على ان احافظ على ألعابى .. فكنت عندما ارغب باللعب اذهب الى دولابى واخذ اللعبة برفق، اقوم بإخراجها برقة من علبتها واضع العلبة بجانبى وعندما افرغ من اللعب اقوم بوضعها كما قام المصنع بتعبئتها فى علبتها من جديد .. وعندما كانت تخبرنى امى انى كبرت على هذه اللعبة وعلى إعطائها لاحد اقاربى لانه اصغر منى كنت ارفض بشده .. كيف لى أن اتخلص من ألعابى التى شاركتنى كل لحظات طفولتى .. فهم عاشوا معى سعادتى وحزنى وساعدونى بالهروب من واجب الرياضة .. هل نتخلى عن من أحسنوا إلينا فى حياتنا ؟ بالطبع لا .. وهكذا نشأ بداخلى شعور التشبث بالأشياء .. وكبر معى حتى أصبحت ما انا عليه الأن .. "شحط طويل عريض لسه عنده لعب حضانة" !  هذا الموضوع بالطبع تحول من مجرد ألعاب .. فبدأ فى التطور شيئاً فشيئاً .. التعلق ببعض أكواب القهوة، التعلق بملابس كبرت فيها وأرفض التفريض فيها حتى الأن، ومع التطور التكنولوجى السريع .. التعلق بهواتفى المحمولة ! حتى انى أتذكر فى مرة قمت بالبكاء لمجرد تغيرى هاتفى .. وبالطبع اكبر ما تعلق بقلبى هو الروتين ! اما الأشخاص هم أقل من تعلقوا بقلبى .. لعل السبب فى هذا هو انى أعلم انهم ليسوا دائمين ! .. وهنا نأتى لصُلب الموضوع وهو .. لماذا اكتب هذه المقال ؟

فى الفترة الاخيرة كلما استمعت إلى اغنية "لما الشتا يدق البيبان" اقول لنفسى "بس هو يجي يا استاذ على واحنا ندخله ونضايفه ونخليه يبات كمان" ولكن من الواضح انه الشتاء قرر عدم معاودة الزيارة هذا العام .. لعل السبب هو ان الشتا "واخد على خاطره" منِ منَ هم مثلى من البشر الذين يعشقوا فضل الصيف وجوه المشمس المشرق الجميل ونهاره الطويل الممتع .. فإن حرارة الصيف الشديدة حلها البسيط هو دُش بارد منعش .. ولكن برد الشتاء القارص يتطلب الكثير من الملابس والدفايات والبطاطين مما يزيد الوزن ويجعل حركتك بطيئة للغاية .. ولكن بالرغم من ذلك أحب فصل الشتاء..لا لشخصه بالطبع ولكن لأنى شخص روتينى تعودت على التغييرات الموسمية فأرى انى قد التزمت بدورى وقمت بإخراج الملابس الشتوى من الدولاب وجلست على الفوتية وبجانبى كوب الكاكاو الساخن .. ولكن لم يلتزم الشتاء بميعاده وتركنى وحدى "سايح فى عرقى" .. ولكنى أشتقت الى المطر واوراق الشجر الخضراء المبتلة والشوارع المغسولة وإخراج يدى من النافذة ساعة المطر مثل الاطفال لكى تبتل .. ولكنى كما يقول استاذ على "مش جاى الومك على اللى فات ولا جاى اصحى الذكريات"  المشكلة الكبيرة ليست فى وجود فصل الشتاء من عدمه .. فأنا كما قلت أحب الصيف بحرارته وشمسه ولكن ما فى الامر هو أننى هذه الفترة أمر بمرحلة جديدة فى حياتى .. تجعلنى ليس فقط أخشى التغيير ..ولكتى اتشبث بكل ما أستطعت فى الروتين .. كل ما هو مألوف ومعروف لعقلى أتمسك به .. ولكن للأسف وقع أعتمادى على الشئ الخطأ .. فكنت اخر ما كنت ارغب به هو تغيير فصول السنة الأربع إلى فصل واحد .. ولكن يبدو اننى لا يمكننى الأعتماد على اى شئ فى هذا الزمن .. حتى الطبيعة !

أظن ما يحزننا ويقلب روتين حياتنا هو التغيير المفاجئ .. فى إعتقادى لو أستيقظت من نومى ووجدت مج القهوة يقول لى "حتوحشنى يا صاحبى .. انا حتكسر النهاردة" كنت سأصبح اكثر تقبلاً للوضع .. لو كان ودعنى الشتاء الماضى وقال لى "شفت السقعة دى ؟ مش حتشوفها تانى .. اصلى مسافر امريكا السنة الجاية، الأحتباس الحرارى حياخد مكانى .. باى باى" سأتقبل الوضع .. على الأقل كنت وفرت ثمن الجاكت الذى أشتريته هذا العام .. كل ما نحتاجه هو لقاء اخير .. سلام اخير .. تذكار محبة .. وعربون وفاء.

فإذا كنت من أصحاب القلوب الضعيفة او اصحاب القلوب القوية .. او كنت متحجر القلب، نتفق جميعاً اننا نستحق لقاء اخير .. فإذا كنت ترغب فى الرحيل وتدمير روتين حياتى .. فأرجوك .. لا تخرج من حياتى قبل أن تقول وداعاً ! 
*فى ذكرى اسخن شتاء 2017\2018
                                                                               
                                                                          مصطفى الشابى

الأحد، 4 فبراير 2018

نص ساعة

نص ساعة

قالت قبل ان ترتشف القهوة من فنجانها المزخرف بألوان وردية

-وياترى بقى اللى انجرحوا دول يداوا جرحهم ازاى ؟

نظر إليها الكاتب وتسأل فى نفسه " كيف لتلك المرأة الجميلة، الرقيقة .. الأنيقة فى شرب قهوتها ان تتكلم وكأنها تفاصل فى سعر كيلو طماطم فى السوق .. بالتأكيد لم تتماشى الطريقة مع المظهر العام ! ولكنه تغاضى عن ذلك فكيف له ان يقوم بالحكم على شخص بمجرد طريقة كلامه ... لابد ان يقضى معه بعض الوقت .. على الأقل نصف ساعة .. فكانت هذه هى احدى قوانين الكاتب "نصف ساعة"  .. نظر الى ساعته وبدأ بحساب الوقت .. نظر الى المرأة الجميلة وقبل ان يرد فكر سريعاً فى كيف يكون الرد عليها .. هل يرد بطريقة الكاتب العاقل الرزين الذى يحسب عدد الحروف التى ينقطها ويقوم بإفحامها برد عميق على سؤالها الساذج .. ام يتلون بشخصية من الشخصيات التى قام بكتابتها من قبل .. فكان الكاتب يستطيع ان يتكلم مثل شخصياته .. ففى النهاية هم ناتج عنه ومنه .. ولكن بعد بضعه ثوانى خشى ان يكون قد تأخر بالإجابة وتظن المرأة انه عاجز عنها فقرر ان يترك الكلام يخرج بعشوائية .. فهو فى الاول وفى الاخر كاتب .. وكل ما يخرج من فمه سواء مكتوب او مسموع هو شئ مقدس جميل يجب على الأخريين احترامه وتقديره !

أعتدل الكاتب فى جلسته ووضع رجل على رجل ورد على المرأة "طبعاً يا فندم يدّاوى عادى .. مفيش جرح مابيدواش .. إلا الناس الكئيبة والى بيبصوا على الحياة بمنظار اسود .. دول حيفضلوا يشوفوا جرحهم بيوسع كل يوم عن اليوم اللى قبله .. بل وإن جرحهم ده حيفتح لهم جروح تانية فى المستقبل"

وضعت المرأة الفنجان وردى المزخرف على الطاولة امامها وتحفزت للحوار .. فكانت تعشق مثل هذه الأشتباكات الخفيفة وتبحث عنها .. فمنذ ان توفى زوجها بالسكتة القلبية منذ عامين وهى تشعر بالملل لإفتقار حياتها لمثل هذه المناقشات ولكن الوضع الأن مختلف فهذا الرجل ليس زوجها ولا يمت لها بصلة .. فهو لن يتحمل الحديث معاها إذا حمى وطيس الحوار مثل ما كان يتحملها زوجها –رحمه الله- فكانت تتخيل انه إذا لم يستطع احد فيهم اقناع الاخر بوجه نظره على اقل تقدير سوف يرميها الكاتب بطقطوقة السجائر .. فكرت بكل هذا واستجمعت شتات افكارها وردت علي الكاتب وهى تحاول تصنع أسلوب الهوانم "ايه ده .. شكل حضرتك من النوع المتفائل –تطلق ضحكة ساخرة ولكنها تفقد السيطرة عليها وتتحول إلى ضحكة مجلجلة- شكلنا مش حنتفق من أولها"

قهقة الكاتب رداً على ضحكة المرأة واخرج سيجارة من علبة سجائره فى جيبه الايسر وقام بإشعالها وأخذ نفس عميق منها ثم اخرجه ورد على عليها "اهى ضحكة حضرتك دى أكبر دليل اننا حنتفق .. الإنسان ربنا خلقه عشان يعانى –لقد خلقنا الإنسان فى كبد- ولكن هل ده معناه اننا المفروض نستسلم للمعاناة دى ؟ هل معناه اننا نفضل فى حزن على اللى فات وخايفين من اللى جاى ؟ الأستسلام هو أكبر عدو للبنى أدم .. لانه بيقتل !" .. ثم بدأ يشيح بنظره عن المرأة ويبحث عن طقطوقة السجائر حتى وجدها جانب الفوتية الذى تجلس عليه المرأة .. فقام من مكانه واعتذر منها واخدها ووضعها امامه.

بدأت المرأة تشعر بالخطر .. فما تخشاه قد يحدث بعد بضعه دقائق .. ها هو الكاتب وضع الطقطوقة امامه ويدخن سيجارته الاخيرة قبل الأعتداء .. بدأت تفكر اكثر واكثر .. هل تهاوده فى الرأى حتى تنجو بحياتها ؟ ام انها مجرد تخيلات فى عقلها المرهق من الوحدة ! .. سريعاً ما اخرجت تلك المخيلات من رأسها وقامت بالإعتدال فى جلستها وقالت "قتل .. قتل ايه بس كفالله الشر .. انت كبرت الموضوع حبيتين .. انا معاك اكيد الاستسلام ده شئ وحش ..وحش اوى، بس على رأى المثل اللى يطاطى للريح تفوت" وللحظة ادركت انها تتكلم مثل جدتها بالامثال ولا ينقصها سوى مصمصة شفايفها والنظر بعدم إكتراث فقررت ان تنهى جملتها المريبة بمثال شهير حتى لا يأخذ عنها الكاتب إنطباع سئ " وطبعاً زى ما حضرتك عارف السهم عشان يطلع قدام لازم يرجع لورا الاول". اعتدلت فى جلستها وشعرت بثقة فى نفسها وان هذا الحوار فى اصبح فى صفها.

"اللى يطاطى للريح تفوت ؟" أدرك الكاتب فى هذه الجملة ان الحوار أصبح اشبه بأحاديث النساء فى الحوارى الشعبية .. ومع ذلك لا يستطيع ان يخيل كيف لهذه المرأة الجميلة الأنيقة ان تتكلم بهذا الأسلوب السوقى ! جاء على بال الكاتب انه قد يكون تحول إلى إنسان عنصرى .. لا يستطيع تقبل الأخر ! لا يراهم كبشر مثله بل يراهم كمادة للكتابة عنهم حتى يلاقى نجاح فى السوق وفى المنتديات الثقافية .. ولكن كل هذا لا يهم الأن .. فهو من ينتصر فى هذا الحوار، هاهى بالرغم من طريقة كلامها والأمثلتها أصحبت توافقه الرأى .. لا يتبقى الأن سوى ان يختم الحوار بجملة قوية او حكاية مؤثرة حتى تخضع له تماماً .. فتخيل الكاتب انه يستجمع كل الحكمة التى فى العالم واخذ نفس عميق وقال "اهو حضرتك بدأتى توافقينى فى الرأى اهو .. السهم لازم يطلع قدام .. لو فضلت شاده لورا الخيط يتقطع ! الواحد أكيد حيمر بظروف تدفعه للإكتئاب والحزن .. ولازم احنا كمان نمر بالوقت ده وإلا مش حنكون بشر .. حنصبح مكن مش بيحس ولا بيشعر بأى شئ .. اهم شئ بقى فى كل ده ان الحزن مايخدش اكتر من وقته عشان مايتحكمش فينا ونصبح فى ايده زى الماريونت"

أستسلمت المرأة لكلام الكاتب للمرة الاولى .. ليس لخوفها من الطقطوقة فبالتأكيد لن يغامر كاتب كبير معروف بسمعته من أجل ان يتخلص من حوار مزعج .. ولكن لأنها ادركت انه على حق .. فهى تتذكر ان عندما توفى زوجها حزنت عليه كثيراً، فكان اخر من تبقى لها من عائلتها بالإضافة انها لم تحظى بأطفال فى حياتها، فكانت فترة صعبة فى حياتها ظنت انها لن تتعافى منها أبداً .. ولكن هاهى تجلس فى افخم الكافيهات مرتدية اكثر الملابس أناقة وتحظى بحياة هادئة ومريحة خالية من المتاعب .. فكان الكاتب على حق، لكل جرح قوته ولكن الجروح تلتأم مهما كانت قوتها .. وأثارها قد تذكرنا بالآلام التى مررنا بها .. ولكنها تذكرنا ايضاً اننا مررنا بها بالفعل وأن لا جرح كبير ولا آلم قوى يستطيع ان يحنى رؤسنا .. لأول مرة منذ فترة طويلة استطاع احد بإقناعها برأيه .. لابد ان تظهر له انها لم تستلم لتجنب الحوار بل لإحترامها لرأيه .. فردت عليه "همم .. أقنعتنى، بس بردو مش متفقة معاك"

تعجب الكاتب .. يالبجاحة هذه المرأة ؟! كيف لها بعد كل ما قاله وبعد إعلان استسلامها له أن تعلن انها غير متفقة معه! هل هى مجنونة ؟ ام هى خلقت لتعترض كما قال مكسيم جوركى ! تحفز الكاتب واطفأ السيجارة فى الطقطوقة امامه وغير وضع جسده على الفوتيه المريح ليصبح فى وضع الاستعداد ورد عليها "مش متفقة فى ايه مش واخد بالى ؟"

أطلقت المرأة ضحكة رقيقة وشاورت للنادل وهى تقول "روق بالك امال .. انا مش متفقة انك شربت السيجارة كده على الريق من غير ما تشرب او تاكل حاجة" توجه كلامها للنادل "شوف الاستاذ يشرب ايه"

أستراح الكاتب و أحس بالذنب فهى فى النهاية امرأة ذوق .. توافقه الرأى وطلبت له شئ ليشربه ! لعله أسرع بالحكم عليها حتى بعد قضاء نصف ساعة معاها، لابد أن يراجع الكاتب اولوياته .. وأن يتخلص من تلك العادة الجديدة، فيجب عليه ان يحترم كل من يتحدث معه بإحترام وإن إختلفت طريقه التفكير او الحديث .. أدرك الكاتب الأن أن الشهرة بإمكانها أن تغير شخصيته .. فإن كان جميع من بالمدينة يقرأ مقلاته كل يوم ليس معناه ان رأيه أصبح مُسلم به لا يعارضه احد فيه .. بالتأكيد هو مدين لها بالأعتذار ولكن لن يجهر به فهو أمامها لم يخطئ حتى الأن .. ولكن لابد أن يبادر بحركة شيك حتى يقدم لها مضمون الأعتذار "انا حشرب قهوة .. فى نفس الفنجان اللى الهانم شربت فيه قهوتها" توجه بالكلام للمرأة "واسمحيلى يا هانم الحساب كله عندى انا"

تبتسم المرأة وتشر برأسها بالموافقة ويسود الصمت للحظات وتبدأ المرأة حوار جديد لا نسمع منه شئ بسبب علو صوت الموسيقى فى الكافيه.



مصطفى الشابى

الخميس، 15 يونيو 2017

تلغراف مسوجر

تلغراف مسوجر

عزيزى .. تحية طيبة وبعد،

أكتب إليك هذا التلغراف وقد لا يصلك .. بل أنى على يقين انه لن يصل، ولكنى قررت كتابته على أى حال.

"اليوم قد مات أقدم من عاش بهذا الحى" .. هكذا قالوا اليوم يا عزيزى، وجلست انا بين ذكرياتى وبين الباكيون..أخفف انا عنهم وتخفف الذكريات عنى، فلم أتذكر من الفترة الاخيرة سوى كل ما هو جيد وسعيد .. وتلاشت من ذاكرتى اللحظات الحزينة .. فوجدتنى أجلس بإبتسامة حزينة وسط الجموع، لم اذرف دمعة –حتى الأن- لأنى على يقين انك بمكان أفضل .. لكننا نحزن على الفُراق .. نحزن على تلك الأيام الطيبة الجميلة البريئة التى لا تعوض .. نحزن على فقداننا شخص نعلم انه يحبنا ويتمنى لنا الخير .. نحزن على انفسنا اننا نعيش الأيام القادمة بدونك .. فلم يعد هناك اى شئ يخفف عنا هذا الرحيل سوى الذكريات !

سأحتفظ بكل شئ .. بأحديثنا الشيقة والنصائح التى كنت تقولها إلى وبالصور والقصص التى كنت تقصها لى .. وكم أخشى الأن ان تخوننى ذاكرتى فى المستقبل وتصبح كل تلك الذكريات مشوشة غير مستقرة .. مستعدة لما قد تفعله فيها ألاعيب الزمان .. ولكنى سأذكر نفسى بهذه الأشياء كل يوم .. ولن أنساك، ولن تنسانى الذكريات .. فلم يتبقى لى غيرها !

أخشى ان أطيل عليك .. فأعلم انك منشغل الان بإستكشاف منزلك الجديد وأتمنى ان يكون كما أردت وكما وُعدت به.

كما قلت يا عزيزى .. أعلم ان هذا التلغراف لن يصلك .. لذلك سأحتفظ به عندى حتى موعد لقائنا لأعطيه لك يداً بيد..أستمتع بالجنة وحتى نلتقى مجدداً .. إلى اللقاء.

  
                                                             مصطفى الشابى

الجمعة، 5 مايو 2017

البرنامج الإذاعى

البرنامج الإذاعى

"ادلع يا جميل على وش الماية"

عندما يتسم العالم بالظلام وتظن انك أصبحت وحيداً مُحاط وسط مخاوفك .. تذكر  القول المأثور "بص لنص الكوباية المليان" ، وإن كنت سعيد الحظ من المتفائلين سوف تكون هذه الجملة كمفعول السحر لتتحول حياتك المظلمة الى أخرى سعيدة .. ولكن إن كنت من اصحابنا المتشائمين لا قدر الله فلن ترى نصف الكوب الممتلئ ولكنك سترى كوب كبير من الماء المثلج أمامك ممتلئ عن أخره ..وانت تجلس فى الكوب الفارغ  تنظر اليه بكل تمنى وكلك أمل فى ان تكون فى يوم من الايام من السابحين، المستمتعين، المتنعمين فى الكوب المثلج .. فالمتفائل يرى ويعلم انه لا يوجد سوي كوب واحد نصف ممتلئ ونصف فارغ .. اما المتشائم يرى كوبان .. الفارغ الذى يجلس فيه ويشكوه حياته ومئاسيه بينما ينظر الى الكوب الممتلئ والى الجالسون، المتنعمون، الهائمون، "المتدلعين على وش الماية"  ويتمنى ان يكون فى يوم من المتدلعين على وش الماية مثلهم .. لكن للاسف .. "الكوباية مفيهاش ماية" !

"وعد ومكتوب ويعين الله وعد ومكتوب"

حدثنا التاريخ والأجداد ومن ثم الأباء عن حقيقة علمية مؤكدة وهى ان الرضيع يصبح طفل ومن هناك يصبح شاب ثم رجل يعتمد عليه .. ومرحلة "الرجولة" عُرفت من قِبل المذكورين من قبل انك تصبح مجرد "طور فى ساقية" لعل هذه هى الأحوال المحيطة بنا والذى آل اليه المصير لكل من رغب فى الزواج والأستقرار والأطفال والبامبرز والعيش الهنيء وهو وعد مكتوب على الجبين .. حتى أصبحت أشعر ان البشر الذين يظهرون بالأفلام الأجنبى ليسوا ببشر مثلنا .. بل انها صورة تخيليه عن ما سوف تكون الجنة عليه عندنا نموت ونبعث .. تلك النظرية تطبق بكفاءة فى كل نواحيها .. الطبيعة الخلابة الخضراء، الطعام والشراب الفاخر، راحة البال، الوجة الحسن .. ختى الرجال يصبحوا أوسم .. بالتأكيد هى الجنة ! كل ما أتمناه من الله ان يرزقنا بجنة أفضل من تلك التى نراها .. او حتى مثلها .. احنا طايليين ؟!

"إزاى تكون انت وتكون عيون غيرك"

الإنسان العادى هو من يرى نفسه فى المرآة فلا يرى سوى إنكعاس لصورته امام نفسه كما يراها  .. الإنسان المتميز هو من يرى نفسه فى عيون الناس فيرى نفسه كما يراه الاخرون، على ما أظن اننا أصبحنا ننجرف –بمعنى اصح نجبر- على ان نستمع إلى ما يطلقه الناس من أراء على مواقع التواصل الاجتماعى بدون ان نُفكر فى ما هو مكتوب .. لمجرد إجتناب نقاش ممل قد يتسبب فى ان تخسر صديقك الإفتراضى او ان يُنسب إليك انك "دقة قديمة" .. ومن بعض تلك الأراء انك "أعمل اللى انت عايزة وملكش دعوى بالناس" .. تلك المقولة قد تكون صحيحة .. وقد تكون خاطئة ! الطريق الوحيد فى تقويم نفسك هى من خلال الناس .. وإذا قررت تجنبهم والإستماع لنفسك فقط بحجة "ان الناس ملهاش دعوة" إذاً إنك لا تتيح فرصة لنفسك لكى تكون على صورة افضل مما انت عليه .. أظن ان الحياة بدأت فى الإنحدار فى مستواها الاخلاقى والإنسانى عندما سمحنا للتكنولوجيا بأن تأخذ ذلك الحيز الكبير فى حياتنا .. أظن لكى تبدأ فى ان تصبح الشخصية التى تريدها يجب ان ترى الحياة بعيون كل الناس .. حتى تستطيع ان تراها بعيونك انت !

"أغداً القاك ؟ يا خوف فؤادى من غدٍ"

أم كلثوم كانت خايفه من بكرة .. كلنا بنخاف من بكرة .. السبب ؟ لانه مش معروف .. الإنسان ببساطة بيألف للشئ اللى بيعرفه لذلك دائماً بيُهيئله ان الماضى افضل من الأيام اللى هو عايشها، ده غير صحيح طبعاً لأن الماضى ممكن يكون أبشع بكتير من حياته الحالية بس لأنك مريت بيه وعارف النتيجة اللى حتوصلها فخلاص .. معدتش خايف وشايف ان الحياة اجمل زمان ومشاكلها أبسط لانك عارف حلها دلوقتى .. بس الحاضر والمستقبل حتى لو كانوا تافهيين جداً بس غير معلوم لهم نتيجة نهائية .. فدائماً فى تخوف من المستقبل..  خوف بيغلب اى شئ تانى ! بس ام كلثوم بعديها قالت "أرجوه أقترابا"، افضل طريقة تحارب بيها الخوف مش انك تخاف، هى انك تواجه خوفك .. وبكرة تقول "ولا يوم من أيام زمان".

"وهل الفجر بعد الهجر بلونه الوردى بيصبح"

أفضل وقت افضله شخصياً هو وقت الفجر لعل ذلك التفضيل هو لأنى ولدت وقت الفجر، ولكن يوجد اسباب اكثر من هذا السبب لحبى لوقت الفجر .. أظن ان هو الوقت الوحيد فى اليوم الذى تستطيع ان تشعر بهدوء وراحة نفسية وان تشاهد النجوم المتلألأة فى السماء وانت تستنشق ذلك النسيم البارد الهادئ .. لا احد يمشى فى الشوارع سوى من يريدون التقرب من الله .. ولا أحد يستيقظ فى ذلك الوقت إلا من زهد النوم  وأراد ان يستمتع بجمال الجو العام .. ومشاهدة السماء وهى تغير لونها بالتدريج وانت جالس فى البلكونة فى صمت لتسترجع كوبلية ام كلثوم .. وتتيقن ان الحياة التى تجدها صعبة ومتعبة .. يوجد بها الكثير من الأشياء الجميلة التى تعطيك أمل فى الغد  ولكننا للأسف لا نلاحظ وجودها عشان بنبقى "نايميين"

مصطفى الشابى

الخميس، 16 فبراير 2017

خلى بالك من التورماى

خلى بالك من التورماى

لا أجد شئ غريب فى تذكر الماضى سوى انه مضى !

اكاد أجزم انى كنت بالخامسة من عمرى ولم يمُر يوماً واحد حتى وجدت نفسى بالثانية والعشرون ..ومع مرور كل تلك الاعوام تكونت بالطبع الكثير من الذكريات منها السئ ومنها الجميل ولكن يوجد ذاكرة واحدة تحولت تماماً من "أكثر ذكرى مبهجة" إلى "أكثر واقع مرعب" .. قبل ان ابدأ بسرد قصتى .. يوجد فقط القليل من الدردشة.

 كانت دائماً –ولاتزال- ترتبط معى الذكريات بروائح .. رائحة عطر، كتاب قديم، برفان معتق حريمى، دخان سجائر خاص، ملوخية بالفراخ .. استطيع تميز كل رائحة وإستدعاء الذكرى الخاصة بها .. أجد ذلك رائع لانه يجعلنى اتذكر ما نسيته – او ظننت انى نسيته- .. وفى بعض الاوقات اتذكر اشخاص قد فاتوا فأشعر بوجودهم معى للمساندة فى بعض الاوقات او لمجرد سماع النكات والإستمتاع برفقة بعضنا البعض .. لدى ايضاً عادة غريبة .. وهى أنى لا أقوم بشئ فعلته وانا صغير بمعنى انى لا احاول استدعاء بعض الذكريات مرة اخرى .. ليس لسوءٍ بها ولكن خوفاً منى ان تتغير تلك الصورة الجميلة التى فى خيالى .. ففى لحظة اتمنى شرب الشاى بلبن وفى لحظة اخرى اخشى ان اشربه فلا يكون بنفس الروعة عندما كنت صغير .. انها الذكريات التى وضعت بمتحف وكُتب عليها "ممنوع الاقتراب او التصوير او اللعب فيها بأى شكل من الاشكال" .. ولكن عودة لأصل الموضوع .. الذكرى التى تغيرت وتحاول تغيرى ..الذكرى التى هربت من المتحف وقامت بأقتحام حياتى بشكل حديث .. الذكرى التى قد تبدو تافهة لبعض الناس ولكنها تحمل الكثير من المعانى والمخاوف .. على الاقل لى .. انها يا حضرات .. ترام الاسكندرية.

كانت الترام بالنسبة لى وانا طفل "ملاهى" كنت أسعد باليوم الذى تصحبنى فيه أمى فى الصباح للذهاب فى مشوار سريع وأخذ الترام ..كنت احاول ملاحقة السيارات التى نمر بجانبها بعينى ومشاهدة المارة وانا أشعر انى فى آله عجيبة مستمتع بحركتها المتمايلة حتى الوصول لوجهتنا .. كانت تلك هى الذكرى .. بهجة ممزوجة برائحة الصباح الجميلة .. حتى تقدمت بالعمر .. وأصبحت على ما انا عليه الان .. لا انكر انى أصبحت ارى بعض الاشياء اكثر وضوحاً وادقق فى بعض التفاصيل .. حتى أصبحت تلك التفاصيل ما أخشى الوصول عليه فى يوماً ما ! أصبحت أكره اللحظة التى اضطر فيها لركوب الترام فتثير كل مخاوفى من جديد ..

المثير فى الترام ان كراسيها مواجهة لبعضها البعض .. فتستطيع رؤية الوجوة .. وما وجدته اثناء جلوسى هو ان لا يوجد أحد سعيد .. كل شخص جالس يحمل هم، الحزن يخيم على الرُكاب .. لا أعلم لماذا ؟! قد تكون بسبب سرعة الترام المتباطئة او بسبب مستوى النظافة المنحدر .. او ربما بسبب الأطفال "المتشعلقة" .. او قد تكون حياتهم حزينه وبطيئة ومملة .. تماماً مثل الترام .. المرة الوحيدة التى وجدت بها شخص يبتسم كان شخص يحدث نفسه فظننت انه مجنون ! .. ومرة بعد مرة بدأت اخاف ركوب الترام .. لأنى اصبحت اشعر انى سأصبح مثل الجالسين .. ممل وحزين وحامل الهموم .. فقد قررت عدم ركوب مواصله عادية خوفاً من عدم وجودها او لزحام الطريق وركبت واحدة اكثر اماناً وستوصلنى إلى وجهتى النهائية ولكنها تسحب منى فى كل مرة جزء من حياتى السعيدة لتجعلنى شخصاً اخر مثل الجالسين ..

أقدم انواع المشاعر هو الشعور بالخوف، وأقدم انواع الخوف هو الخوف من المجهول .. لذلك يوجد حكمة فى التمسك بالماضى وذكرياته .. لاننا نعرف ما حدث به بالفعل ولكن المستقبل غيرى مرئى –إلا لو مكشوف عنك الحجاب- ، تمسكوا بتلك الذكريات الجميلة وشعورها الدافئ فقد تكون الطريق الوحيد لمحاربة ذلك الخوف بشعوره المُظلم .. لا أعلم مصير ذلك الهاجس المسيطر على فى هذه الفترة ولكنه مسيره ان ينتهى .. إما بالتحقُق او بالتحول إلى مجرد ذكرى اخرى أنظر إليها بإبتسامه وانا أقول "انا كنت اهبل اوى" .. وفى النهاية لن أقول حكمة .. ولكنى سأقول "خلى بالك من التورماى" !
   

  مصطفى الشابى