الخميس، 14 أغسطس 2014

أين الله ؟

اين الله ؟

أستيقظت فى مكان مألوف بالنسبة لى ، وجدتنى واقفاً على أرضً صلبة والطريق امامى يملأه التراب الأصفر على جانبيه ولا يوجد به احد سواى، بدأت فى المشئ بخطوات مضطربة أبحث عن اى علامة تُرشدنى فتقضى على تساؤلاتى .. أين انا من بين بلاد الله واين الناس ؟ أين ذلك الصخب الذى لا يفارق الشوارع ليل نهار .. أيعقل ان يختفى الناس هكذا فى آن واحد ؟!

صوت خطواتى المضطربة تلوث الهدوء الذى يسيطر على الجو .. حرارة الشمس تشتد وانا أبحث عن مكان يأوينى وأشعر فيه بالراحة والأمان والماء ولكنى لم أجد سوى صحراء قاحلة على جانبى الطريق، وأثناء سيرى بدأت انتبه لصوت أخر .. مشابه لصوت خطواتى .. لعله صدى صوت ؟ لكنه بدأ يقترب نحوى أكثر فأكثر وانا انصت وأتمنى ان اجد صاحب تلك الخطوات فأجد لى انيس فى وحدتى لعلنا نجد ضالتنا سوياً .. ولكن بمجرد ان رأيت صاحب الصوت علمت انه لا يتوجب على الأنتظار بل .. الركض !

ثلاث رجال يتميزون بالضخامة متشحين بالسواد .. يركضون نحوى وكأنهم يريدون الثأر منى ؟ لا يحملوا اسلحة .. فأجسادهم وضخامتهم هى اسلحتهم .. لم أستطع تخيل نفسى فى قبضتهم فحينها سأصبح هالك لا محاله ! لذلك توجب على الركض حتى أجد مكان أمن لا يستطيعون الوصول لى فيه !

قطرات الماء تنصب من جبهتى ، انظر خلفى كل دقيقة ولكنهم لا يختفوا او يبتعدوا عنى .. أشعر بأن نَفَسى قد انتهى وانى سوف أنتهى معه فلا يوجد مكان سوى قسوة الصحراء الضارية إلى ان وجدت من بعيد هيكل منزل –أو هكذا أظن- .. تمنيت من كل قلبى الا تكون هلاوس الصحراء والسراب الذى يطارد المنكوب والتائه ولكنه لم يكن سراب .. ولكن يكن منزل هو الأخر .. بل كان مسجد ! مسجد يتميز بالفخامة والعراقة .. وجدت امام الباب شيخ يلبس العمة والقفطان .. ذهبت اليه مستنجداً به من اعدائى الذى يسعون ورائى فعندما وجدنى مقبل عليه قال "ماذا بك يا بنى ؟ أهناك ما يتعبك ؟"

أجبت مستنكراً "الا ترى أنى مطارد؟"

رد بصوت مضطرب "ما الذى يمكننى ان افعله لك ؟"

قلت له بلهفة "أنقذنى منهم !"

"حسناً" قالها وقام بفتح باب المسجد ودخلنا معاً ثم أغلق الباب ورائنا

-يتوجب عليك الوضوء والصلاة لأنك فى بيت الله

قلت بتلقائية "ولكنى لم آتى من أجل الله !"

قال متعجباً "ما هذا الكلام .. فى ماذا كنت تفكر قبل الدخول الى هنا ؟"

-الهروب !

قال بعصبية "الهروب ؟ من مَن ؟

-الم ترى من يطاردونى ؟ الا تتخيل ما سوف يحدث لى اذا وجدت نفسى فى قبضتهم ؟ انا لم أدخل هذا المسجد سوى من أجل الهروب منهم ، أملاً ان يحصننى المسجد منهم فيمّلوا ويتركونى فى هذا المكان بهدوء !"

رد على بعصبية مكتومة فى نفسه "أسمع يا بنى .. إن الله يحمى كل من يدخل بيته ولكن إذا كان دافعهم لدخوله هو الله نفسه ليس مجرد اسباب دنيوية .. إن الحماية التى انت محاط بها هنا .. ليست موجودة إلا بسببى .. إن بيت الله لا يحمى المنافقين ! سوف تخرج الأن من باب اخر لهذا المسجد ولكن لا تتوقع ان ينقذك الله منهم فأنت لست مؤمن بما فيه الكفاية ليصرفهم الله عنك !"

-من أنت لتقل على منافق ؟ وما هى سلطتك لتطردنى من بيت الله ؟

-ما اقول هو انى لا يمكننى حمايتك يا بنى ! الله يحب ان يتم الإيمان به خارج حدود المسجد .. الله هو منقذك ليس المسجد !

فكرت للحظة فى هذا الكلام ولكنى لم اعقله .. وفى تلك الاثناء أخرجنى الشيخ من المسجد من خلال باب اخر .. وعدت مرة أخرى الى حرارة الشمس الحارقة والطريق الممتلأ بالرمال وكنت اسرع فى خطواتى لأن كلها لحظات او دقائق ويرانى هؤلاء الرجال مرة اخرى ونستأنف المطاردة ! وبالفعل حدث ما كنت اتوقع وبدأت فى الركض مرة اخرى وهذه المرة احاول الاستنجاد بالله ولكنى لا أجده !

وبعد فترة ليست بقصيرة من الركض نحو اللا نهاية وجدت رجل عجوز يجلس بجانب غرفة من الطوب الاحمر .. 
لاحظ توترى وركضى فندانى وقال لى "تعال .. اسرع الى هنا" وفتح باب الغرفة الخشبى ودخلنا سوياً

"شكراً لك لحمايتى يا رجل .. ولكن أتظن ان هذا المنزل سوف يصمد امام هؤلاء الرجال ؟"

قال وهو يحاول ان يخفف من حدة الموقف "اهدأ .. لن يتمكن احد من ان يصيبك بمكروه هنا"

-ولكن كيف ؟ لم يمنعهم المسجد سوى دقائق والأن تقول ان هذه الغرفة سوف تصمد ؟"

قال بهدوء "إن هذه الغرفة سوف تصمد بالتأكيد .. لقد صمدت طوال فترة حياتى كلها"

قلت بإستغراب "وكيف هذا ؟"

قال "إن الله يحميها"

-الله يحميها ؟ اهذا الغرفة بيت من بيوته ؟

-أمَن الضرورة ان يحمى الله بيوته فقط ؟

-وبالتأكيد .. لانى لم اجد ملاذ من هؤلاء سوى فى بيت الله ولكن بمجرد خروجى وجدتنى بمفردى .. لم أجد الله وحمايته !

-إن الله فى كل مكان يا بنى

-ولكن إذا كان الله فى كل مكان .. لماذا لم اجده خارج المسجد ؟ .. لماذا لم يحيطنى بالحماية اللازمة ضد هؤلاء المتشحين بالسواد ويريدون هلاكى ؟

-من المؤسف ان اجد شباب مثلك لا يروّن من الدين سوى القشرة الخارجية فقط !

-أوضح كلامك يا رجل

سأل متعجباً "هل كنت تظن ان الله فى الهواء والماء ؟ اهذا تعريف كل مكان لك ؟ والله لانت هالك يا فتى !"

-من انت لتنصب نفسك قاض وتقول انى هالك .. لقد تقبلت الامر قليلاً من الشيخ لانه مساعد الله فى الارض ولكن من انت !

-إن الله لا يحتاج مساعدين له فى الارض .. كل ما فى الامر انى املك الله فى داخلى !

قلت بعصبية "استغفر ربك يا رجل .. ما هذا الكلام !"

-اعذرنى لفظاظتى ولكن ما احاول ان اقوله هو ان الله بالفعل فى كل مكان ولكن لكى تطبق هذا الكلام لابد ان يكون الله بداخلك اولاً .. فيصبح معك فى كل مكان !"

-كلامك ليس بسيئ

استكمل قائلاً "فى المسجد انت لم تفكر سوى بالهروب .. وبالتأكيد المسجد وفر لك ذلك ولكن لان الله بداخله .. بمجرد خروجك فأنت وحدك .. لذلك قاموا بمطاردتك مرة اخرى .. لأن الله ليس بداخلك .. لا تبحث عن الله فى هذا الطريق الوعر .. ابدأ بداخلك وحين تجده .. سوف تنتهى كل هذه المطاردات !

-أتقول لى هذا الكلام الأن ! اتتوقع منى ان انفذ هذا الكلام واتغير فى لحظة وبعد ما امتلأ رأسى بالشعر الشايب ؟ اتظن انه من السهل ان اخرج من هذا المنزل وانا بداخلى الله وقد فقدته لاكثر من عشرون عام ؟

-صعب هو الامر .. لكنه ليس بمستحيل .. كل ما يتطلب ذرة إيمان !

-وعلى ان اجدها الأن ؟!

قال محذراً "هذا المنزل لم يبنى ليكن مأوى لك .. كل ما يمكننى ان اوفره لك هو باب اخر للهروب !"

ذهب وفتح لى باب خلفى لهذه الغرفة وقال لى "اذهب"

خرجت وانا افكر وافكر .. لا اعلم كيف من الممكن ان اجد الله بداخلى خصوصاً وانا ليس امامى متسع من الوقت ! ليس امامى سوى الركض نحو بر امان اخر حتى لاحظونى واستكموا مطاردتهم لى .. وفى لحظة قررت الوقوف .. لا يمكننى الهرب طوال الوقت .. هى إذاً اللحظة الحاسمة .. المواجهة .. إما ان اجد الله بداخلى او اجد نفسى فى قبضتهم !

" وَتَحْسَبُ أنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ ،، وفيك إنطَوَى العالمُ الأكبرَ" الإمام على كرم الله وجهه
مصطفى الشابي


الجمعة، 25 يوليو 2014

نشرة واحدة

نشرة واحدة

كنت قد أتفقت مع زميلى وصديق الطفولة محمود اننا سوف نذهب لنقضى بعض المشاوير الهامة فى بعض المصالح الحكومية .. فتلك المشاوير لا يُستحب ان تذهب لقضائها وحيداً حتى لا يسيطر عليك وحش الملل والروتين فتجد من يسليك ويهون عليك ساعات الانتظار الطويلة .. ولكن وجدت ان ساعات الانتظار سوف تبدأ تحت بيت محمود .. فبعد محاولات فاشلة للاتصال به قررت ان اصعد الى المنزل لكى اخذه معى قضاء تلك المشاوير .. وكان الأمر عادى فكنت من المترددين على هذا المنزل منذ الابتدائية فكنا نجلس مع بعضنا بالساعات لللعب واللهو.

صعدت درجات السلم الرخامية ووقفت قليلاً من الوقت امام الباب مدققاً فى تفاصيله التى أصبحت جزء لن يمحى من ذاكرتى حتى سمعت صوت من الداخل يقول "جاية اهو" وفُتح الباب

"أهلاً أهلاً يا مصطفى منور يا حبيبى" قالت والدته صديقى مدام سميرة وقد أرتسمت على وجهها ابتسامه عريضة مرحبة بقدومى

-أتفضل يا حبيبى

-شكراً يا طنط .. انا مش حطول عليكم بس هو محمود هنا ؟

-اه يا حبيبى أصحهولك فى ثوانى

-معلش يا طنط والله بس عشان عندنا مشوار مهم .. هو تلاقيه نسى

-لا لا متقولش كده يا حبيبى اصحهولك اوامك .. هو كده خُم نوم .. أتفضل استريح عقبال ما أصحهولك .. تشرب ايه ؟

-لا لا ملوش لزوم يا طنط

-عيب يا حبيبى لازم تشرب .. هو انت بخيل ولا ايه ؟

-خلاص يا طنط طلما انت مصممة يبقى اى حاجة من إيدك

-ماشى .. خش استريح بقى البيت بيتك ..

دخلت الى غرفة الجلوس وأخترت مكان بعيد عن أنظار اهل المنزل حتى لا اشعر انى دخيل الى حد ما .. وسمعت صوت مدام سميرة وهى تنادى على محمود "أصحى يا محمود .. أصحى يا مدهول انت مصطفى هنا وعايزك .. يلا بسرعة" ، ثم فى أثناء انتظارى لمحمود جاء عمو خالد والد محمود ودخل غرفة الجلوس وكانت بيننا علاقة معرفة ليست بالقوية ولا بالضعيفة .. ولكنها كانت علاقة احترام متبادل .. هو ظابط متقاعد منذ سنتين وكنت أسمع من محمود انه يجلس طوال اليوم فى البيت لا يفعل شئ سوى اعطاء الاوامر لكل من فى المنزل حتى فى المطبخ فى محاولة لإقناع نفسه بأنه مازال فى الخدمة ومازال لديه القدرة على إعطاء الاوامر ، وعندما وجدنى أجلس على الفوتية أقبل على مُرحباً

-أهلاً أهلاً يا مصطفى

-أهلاً يا عمو ازى حضرتك ؟

-الحمد لله يا ابنى .. انت ازيك وازى الدراسة ؟

-الحمد لله يا عمو

- وازى العيلة الكريمة ؟

-بيسلموا على حضرتك

-اشكرك اشكرك .. اتفضل استريح ..

ثم جلس على الكنبة وأخد ريموت التليفزيون وآتى بقناة اخبارية وجلس ليتابع بأهتمام أخبار الدينا ... وكانت جميع الأخبار من فصيلة "قتيلان وعشرة مصابين فى انفجار" "قصف جوى على غزة" "جيش المقاومة السورية يقتل مائة من جيش النظام" "داعش تقيم مذبحة جديدة" "عمليات تكفيرية فى سيناء" والغريب ليس فى الاخبار .. فهى عادية .. ليس بها شئ جديد .. ولكن الغريب كان فى عمو خالد .. فكان يتابع الاخبار وكأنه يشاهد مسرحية هزلية ، ابتسامة عريضة على وجهه وقهقهة من حين لأخر .. ثم دخلت طنط سميرة ومعاها صانية بها عصير برتقال

-أتفضل يا مصطفى .. يوه *موجه كلامها لزوجها* انت مش حتبطل فُرجة على اخبار دى ؟

-اهو نعمل حاجة بدل قاعدتنا دى ولا انت ايه رأيك يا مصطفى ؟

قلت بتلقائية "تسلية يا فندم .. تسلية"

قالت سميرة " نفسى افهم غيتك ايه فى الفرجة على الاخبار دى .. إلا ما فيها خبر واحد حلو يوحد ربنا"

رد خالد بضيق "عجبانى بقى يا ستى انت .. خليكى فى المطبخ بتاعك واتكلى على الله"

ردت عليه بسخرية "ماشى يا خويا .. بس عالله تيجى عالمطبخ ده وتقعد تشخط وتنطر زى كل مرة"

ذهبت مدام سميرة الى المطبخ وهى تنادى على محمود وتقول "يلا يا محمود بقى" ثم التفت لى عمو خالد بعد قرائته للمنشت الذى ظهر على الشاشة ثم قال وفى عينه لمعة "غريبة الأخبار دى !"

أستغربت قليلاً من الكلام ثم قلت "غريبة ازاى يعنى يا عمو ؟ ما هى اخبار زى باقى الاخبار اللى بنشوفها كل يوم !"

قال"ايوة .. ما عشان كده هى غريبة"

قلت وقد زادت حيرتى "مش فاهم يا عمو والله"

رد "زمان كنت تلاقى الاخبار مختلفة من بلد لبلد .. دلقوتى الأخبار بقت هى هى .. الصور هى هى .. حتى تصريحات الرؤساء هى هى ، وفى الاخر اللى بحصل هو هو"

قلت "وهو ايه اللى بيحصل كل مرة ؟"

قال "ولا حاجة" ثم اطلق ضحكة وبعدها أكمل قائلاً "الناس اللى بتطلع فى التليفزيونات ولابسة بدل ومتهندمة دى وحاطة رجل على رجل وقدامها كوباية ماية بمورد وبتقولك لازم الوضع اللى فى غزة يقف .. ولازم اللى بيحصل فى العراق ده يبقى له حد ، ولازم اللى بيحصل فى سوريا ده يكون له حل .. هم اكتر ناس مش عايزين الوضع يخلص ويتحل"

قلت بعد همهمة "حاميها حراميها يعنى"

رد بأبتسامة "لا .. يقتل القتيل ويمشى فى جنازته يقول كنت بنصحه يبطل دخان"

قلت متسائلاً "طب والحل ايه يا عمو ؟"

قال بيأس "مفيش حل .. طول ما الناس اللى بتتحكم فى البلاد دى مش عايزة حل يبقى مفيش حل"

قلت بتفائل "يمكن اما نبقى احنا دولة عظمى نلاقى حل"

أطلق ضحكة عالية وقال "الله يحظك .. ده انت بتضحك اكتر من الاخبار .. عقبال ما نبقى دولة عظمى –ده لو باقينا
يعنى- حيبقى البلاد اللى انت عايز تنقذها دى اتشالت من على الخريطة"قلت "يبقى الحل بإيد ربنا بقى"

قال عمو خالد "والله الواحد نفسه يعرف حكمة ربنا فى اللى بيحصل ده .. ناس بريئة بتموت كل يوم وناس وسخة عايشة ومش بتموت .. العالم كان ممكن يكون احسن لو الناس الصح هى اللى عاشت... زمان كنت بشوف الاخبار دى واضايق .. دلوقتى خلاص .. جالى تناحة وبقيت بضحك على المسرحية اللى ورا الستار .. اللى مش بيشوفها الجمهور .. بيحسها بس .. ده لو لسه بيحس يعنى"

قلت "مش عارف والله .. الواحد بقى متلغبط .. مبقتش حتى عارف من الصح ومين الغلط .. مين اللى المفروض يعيش ومين اللى المفروض يموت !"

قال بحزن "والله ياابنى انا بدعى ربنا انه يخرجنا منها على خير"

قلت "والله يا عمو انا بحس اننا فاهمين ربنا غلط"

قال مستغرباً "غلط ازاى يعنى ؟"

رديت وقلت " يعنى .. البلاد اللى عماله تُقع ومش بتقوم دى عماله تقول بندعى ربنا انه يرجع لنا بلادنا ، ينصر بلادنا وكأن ربنا يعنى بيحقق الأمانى كده وخلاص .. الناس دى مش بتعمل حاجة عشان بلادها تقوم وتنتصر .. هم كمان مش عايزين البلد تقوم على حيلها .. القوة مش فى إيد الناس اللى برا بس .. الناس اللى برا واللى جوا .. على رأى احمد ذكى .. كلنا فاسدون لا استثنى احداً .. حتى بالعجز الصامت قليل الحيلة"

أطلق تنهيدة ثم قال "يلا يا ابنى بقى .. الحل دلوقتى هو اننا نغير القناة بقى .. الا بيقولك فى رقاصة جديدة مكسرة الدينا .. اسمها شاهيناز باين ؟!"

ضحكت فى سرى وارتسمت ابتسامة على وجهى "صافيناز يا عمو"

قال وهو يتأكد ان طنط سميرة فى المطبخ "دى عليها حاجات يا ولد" واتبعها بضحكة ثم تنهيدة .. ثم اكمل "اهيه .. ليت الشباب يعود يوماً بقى"

اطلقنا بعض الضحكات وتبادلنا اطراف الحديث حتى أنهيت شراب البرتقال ثم وجدت محمود فى النهاية مقبل عليّ بعد نصف ساعة انتظار .. ودعت عمو خالد وطنط سميرة وخرجت مع محمود لنتناقش فى قضيانا المملة التافهة مثل كل يوم .. تاركين وراء ظهورنا قضايا الوطن العربى والبلد المحبوب حتى إشعار أخر.


مصطفى الشابي                                                  

الخميس، 17 يوليو 2014

ألو ألو احنا هنا

الو الو احنا هنا

الواحد بعد ما خلص ثانوية عامة ربنا بيبارك لنا وبيبتلينا بردو بكمية تليفونات رهيبة ... بحس اننا فى سنترال ميامى العام .. المهم .. اللى جاى ده تبيكال مكالمة مصرية مابين القرايب اللى مش بيشوفوا بعض او بيكلموا بعض غير المناسبات

تنويه : لو حد من عيلتى قرأ الكلام ده .. انا مقصودكوش خالص .. عشان الموضة دلوقتى فى الخناقات *ابنك بيلقح عليا كلام على الفيس بوك .. بنتك مش عايزة تعملى كومنت على صورتى بالمايوة الشرعى* .. ده من وخى الخيال .. مع مزيج بالواقع. وفى النهاية أشكر كل إنسان أتصل يبارك .. انا بستمتع جداً بالمكالمات دى .. بالرغم من انها ممكن تكون مليئة بالكلام اللى ملوش لازمة .. بس بتعيد ايام حلوة .. أيام اما كانت العيلة عيلة ... مش مجرد توثيق علاقة على الفيس بوك.

التليفون بيرن

*ترررن ترررن ... ترررن تررررن*

ماما : (زعيق .. ونبرة صوت حادة) حد يشوف التليفون .. هو انا اعمل كل حاجة فى البيت ده ؟ انا الخدامة اللى ابوكم اشتراهلكم ؟

 انا : حاضر يا ماما رايح اهو

*ببص على الرقم اللى على التليفون* .. نمرة غريبة .. لعله خير

-الو ؟

-الو ازيك يا مصطفى يا حبيبى .. الف الف الف الف مبرووك *صوت حريمى مألوف.. اكيد حد من قرايبنا*

-الله يخلي حضرتك يا طنط والله

-كانت سنة كبيسة

-اه والله يا طنط وهى كانت كبيسة بعقل

-جبت كام بقى ؟

-*أرخم سؤال فى الوجود* الحمد لله يا طنط

-الحمد لله طبعاً يا حبيبى .. يعنى جبت كام ؟

-*دى مصممة بقى * .. 92 يا طنط

-الف الف الف مبرووك ايه الشطارة دى

- *هى فكرانى فى تانية ابتدائى ؟* الله يخليكى يا طنط

-وناوى تخش كلية ايه بقى ؟ *تانى ارخم سؤال فى الكون*

-والله لسه بحاول اكتشف يا طنط

-ربنا معاك .. شد حليك *خلاص حتقفل اهيه*

-إن شاء الله

-ما تخش طب ؟

-*طب ايه .. هى من ايام طب من 86% وكيلو اللحمة بخمسين قرش ؟* مش حاببها والله

-ايه مش عايز تطلع زى بابا ؟

-لا والله يا طنط .. هو مش عايزنى ابقى زيه .. بيقولى اتعلم صنعة

-*ضحكة من المنخير*

-وكل سنة وانت طيب بقى مناسبة رمضان

-يادى النيلة دى لسه فى رمضان* وحضرتك طيبة*

-ياترى صايم ولا زى كل سنة ؟ *سؤال لا يصنف*

-زى كل سنة يا طنط الحمد لله

-*ضحكة حريمى طرازية الشكل* .. واخبار ماما ايه ؟

-الحمد لله

-وبابا اخباره ايه ؟

-الحمد لله

-واختك اخبارها ايه ؟

-الحمد لله

-مبسوطة فى الشغل ؟

-مستورة معاها والحمد لله

-طب كويس كلكم كويسين الحمد لله

-اه الحمد لله

-أوعك بعد المكالمة دى تكون مش عارفنى ؟

-لا اكيد يا طنط عارفك هو معقول يعنى ! *ولا اعرف هى مين*

-طب انا مين بقى ؟

-*ايه شغل فوازير شريهان ده ؟* حضرتك اكيد طنط سوسن

-أخص عليك .. لا مش هى

-يبقى اكيد طنط خديجة ما انتوا صوتكم كله شبه بعضه

-لا بردو مش هى

-*ما هو لو ماشينا كده مش حنقول كل افراد العيلة الاحياء والاموات* .. طنط ..؟ نهلة ؟

- اه براافو عليييك

-*شغل حضانة تانى*.. هو حد يتوه عن حضرتك

-*ضحكة حريمى طرازية الشكل* ربنا يحمييك يا حبيبى

-إن شاء الله حزوركم قريب بقى عشان اباركلك فى وشك

-*فى وشك ؟ محسسانى انها حاجة وحشة* .. تنورى يا طنط

-عايزين الحلاوة بقى

-*مين يجيب لمين يا ولية انت ؟* إن شاء الله رمضان يخلص ونعمل حلبة حصى لينا كلنا

-*ضحكة رقيعة* .. طول عمرك فُكهى كده زى خالك

-*فُكهى ؟* اه ماهو قالى كده بردو

-وهو عامل ايه ؟ لسه فى السعودية ؟

-اه يا طنط .. جاى العيد ان شاء الله

-اه حيعيد معاكم بقى !

-*ما هو جاى فى العيد يبقى حيعيد معانا !* قولى يا رب

-يارب يوصل بالسلامة يا حبيبى .. ماما موجودة ؟

-*هيـــــه .. اخيراً عايزة ماما* اه يا طنط

- اكيد مشغولة فى المطبخ .. رمضان بيحب الأكل

-اه يا طنط .. كلنا بنحب الاكل مش رمضان بس

-طيب ممكن اكلمها عشان ابارك لها ؟

-أكيد اكيد *كفارة يا ولد* ثانية واحدة

انا : (زعيق) ماااااامااااااااااااااااااااااا .. تعالى كلمى

ماما : طيب طيب جاية اهو اغسل ايدى بس *بعد دقيقتين* ... مين ؟

انا : طنط نهلة

ماما : ماشى .. استنى ..

انا : ايه ؟

ماما : *بتحط اديها على السماعة واى كأنها بتخبى مكان الكلام* طنط نهلة مين ؟

انا : مش فاكر الصراحة .. انا وصلت انها نهلة بالعافية .. كملى انت بقى

ماما :طيب طيب .. *بتحط السماعة على ودنها* .. ألو ؟ اهلاً اهلاً اهلاً ازيك يا نهلة *بدأت تخّنف فى الكلام* .. الله يبارك فيكى عقبال جميلة بقى .. اه .. اه .. الحمد لله .. الحمد لله .. مش عارفة .. امم .. امم .. اههه .. *ضحكة حريمى طرازية الشكل* . اه هو لعبي جداً *بتغلط فيا* .. بالعافية بقى .. الحمدلله .. شكراً يا نهلة .. ان شاء الله .. ان شاء الله .. مع السلامة ..مع السلامة .. مع السلامة *الصوت يندثر بالتدريج*

*قفلت السكة*

انا : مين بقى دى ؟

ماما : دى طنطك نهلة يا واد

انا : طنطك نهلة يا واد مين بردو ؟

ماما : ... مش عارفة بقى .. يلا فيها الخير بتتصل تبارك بردو

انا :على رأيك

وبكده تكون تبيكال اى مكالمة مصرية عصرية معاصرة فى زمن التكنولوجيا .. ممكن نكون بنزهق من المكالمة الروتينية .. بس لسه ليها طعم حلو .. طعم أيام زمان .. يمكن فعلاً بتمنى انى اشوف نهلة واللى شبهها فى القريب العاجل .. على الاقل حرسم لها صورة جديدة فى دماغى بدل اللى موجودة من سنين او اللى اختفت بالفعل ... ولحد اما ترجع علاقتنا بالناس طبيعية حقيقية مش إلكترونية معتمدة على الأرقام الحسوبية .. حتفضل المكالمات دى الحاجة الوحيدة اللى بتربطنى بالماضى الجميل .. بغض النظر عن محتوى المكالمة.

مصطفى الشابي